فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٣ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
لا يتاح لنا في حال من الأحوال أن نتّصل اتّصالاً مباشراً بالأشياء خارج روحنا ، وما دمنا مضطرّين إلى إدراكها في تصوّراتنا وأفكارنا خاصّة... فلا وجود في الحقيقة إلاّ لهذه التصوّرات والأفكار ، ولو أطحنا بها لم يبقَ شيء نستطيع أن ندركه ، أو أن نعترف بوجوده .
ويجب أن نلاحظ قبل كلّ شيء أنّ هذه الحجّة التي حاول (باركلي) أن يبرهن بها على مفهومه المثالي ليست صحيحة حتّى عند (باركلي) نفسه ؛ فإنّه يتّفق معنا ـ بصورة غير شعورية ـ على دحضها وعدم كفايتها لتبرير المفهوم المثالي ؛ ذلك أنّها تؤدّي إلى مثالية ذاتية تنكر وجود الأشخاص الآخرين كما تنكر وجود الطبيعة على السواء ؛ فإنّ الحقيقة إذا كانت مقتصرة على نفس الإدراك والشعور باعتبار أنّنا لا نتّصل بشيء وراء حدود الذهن ومحتوياته الشعورية ، فهذا الإدراك والشعور هو إدراكي وشعوري أنا ، وأنا لا أتّصل بإدراك الآخرين وشعورهم كما لا أتّصل بالطبيعية ذاتها ، وهذا يفرض عليّ عزلة عن كلّ شيء عدا وجودي وذهني ، فليس لي الحقّ بالتسليم بوجود الناس الآخرين ؛ لأنّهم ليسوا إلاّ تصوّرات ذهني وفكري الذاتي .
وهكذا تنتهي المسألة إلى مثالية فردانية فظيعة ، فهل كان يمكن لـ (باركلي) أن يندفع مع حجّته إلى أقصى مداها ويخرج منها بمثالية كهذه ؟! وإذا كان قد حاول شيئاً من هذا فسوف يتناقض مع نفسه قبل غيره ، وإلاّ فمع من كان يتحدّث ؟! ولمن كان يكتب ويؤلّف ؟! ولحساب من كان يلقي محاضراته ودروسه ؟! أليس ذلك تأكيداً قاطعاً من (باركلي) على الواقع الموضوعي للأشخاص الآخرين ؟!
وهكذا يتّضح أنّ (باركلي) نفسه يشاركنّا في عدم قبول الحجّة التي تبنّاها والتصديق ـ ولو لا شعورياً ـ ببطلانها .