شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٦٦ - في شرعيَّة الوَضع
نسأل الله السلامة من الخذلان.
وحَكَى القرطبيّ[١] في (المُفْهِم) عن بعض أهل الرأي: (أنَّ ما وافق القياس الجليّ ، جاز أنْ يعزى إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله))[٢].
ثُمَّ المرويّ ، تارةً يخترعه الواضع ، وتارةً يأخذ كلام غيره ، كبعض السّلف الصالح ، أو قُدماء الحكماء ، أو الإسرائيليّات ، أو يأخذُ حديثاً ضعيفَ الإسناد ، فيركِّب له إسناداً صحيحاً لِيُرَوَّج[٣].
[١] أحمد بن عمر بن إبراهيم ، أبو العباسَّ الأنصاري القُرطبيّ ، فقيه مالكي ، من رجال الحديث ، كان مدرِّساً بالإسكندريّة ، وتوفِّي بها سنة ٦٥٦هـ ، ومولده بقرطبة سنة ٥٧٨هـ ، من كتبه: (المُفْهِم في شرح صحيح مسلم) في الحديث ، ... . ينظر: الأعلام: ١/ ١٧٩.
[٢] عبارته هذه عن فقهاء الرأي ، نقلها عنه السّخاوي في شرحه ألفيّة العراقي . في مصطلح الحديث ، ص١١١.
[٣] وقد علَّق المددي هنا بقوله:
(ويعبَّر عنهُ بـ: (تركيب الأسانيد) ، ومعرفته من أجلِّ مباحث الحديث وأغمضها ، ولا يهتدي إليه إلاّ العارفُ الخبير ، الذي له اطلاع عميق على متون الأحاديث وأسانيدها ، وإلمام واسع بطبقات الرواة وأحوالهم ، فمثلاً: إذا كان لأحد المحدِّثين طريق صحيح إلى (كتاب) حريز بن عبد الله ، الذي يعتبر من الكتب المشهورة المعوّل عليها ، ثم وجد روايةً عن حُريز بسندٍ ضعيفٍ ، فعند ذلك يحذف السند ، ويذكر الرواية مع طريقه إلى حريز ، وبذلك تصبح الروايةُ صحيحةَ السند!!
ثم إنَّه توجد بعض الأحاديث في كتب المشائخ العظام ، ممَّا ظاهرها أنَّها من هذا القبيل ؛ أي مركَّبة الأسانيد ، فيُتَوَهَّم أنَّها موضوعةٌ! ولكن الأمر ليس كذلك ؛ إذ لعلَّ الواقع كان كذلك ؛ بمعنى أنّ الروايةَ كانت لها طرق عديدةٌ ، بعضها ضعيفٌ وبعضها صحيح ، فذكرَ الضعيف في بعض المصادر ، والصحيح في بعضها الآخر ؛ وليس معنى ذلك أنَّ الصحيح موضوعٌ . علماً ، بأنَّ الراوي للطريق الصحيح إنْ كان ثقة ، فوثاقته أقوى شاهد على ذلك .
نعم ، لمثل هذه الأُمور ، يجدر بنا التثبُّت والتحقيق في (الموضوع) ، وأن لا نحكم بشيء قبل المراجعة والتأمُّل).