شرح البداية في علم الدراية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٥٩ - البحث الثالث في أعظمهم ضرراً
البحث الثالث: في أعظمهم ضرراً[١]
وأعظمهم ضرراً مَن انتسب إلى الزُّهد والصلاح بغير علمٍ ، فأحتسب بوضعه ـ أي زعم أنَّه وضعه ـ حُسْبَة لله وتقرُّباً إليه ؛ ليجذب بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالتّرغيب والتّرهيب.
فقبل الناس موضوعاتهم ؛ ثقةً بهم ، وركوناً إليهم ؛ لظاهر حالهم بالصلاح والزُّهد.
ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزّهد ، وضمَّنوها أخباراً عنهم ، ونسبوا إليهم أفعالاً وأحوالاً خارقةً للعادة ، وكرامات لم يتَّفق مثلها لأولي العزم من الرّسل ، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعةً ، وإن كانت كرامات الأولياء ممكنةً في نفسها.
ـ ١ ـ
ومن ذلك: ما روي عن أبي عصمة ، نوح بن أبي مريم المروزي[٢] ، أنَّه قيل له: من أين لك عن عكرمة[٣] ، عن ابن عبَّاس[٤] ، في فضائل القرآن ؛ سورةً سورةً ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟
فقال: إنِّي رأيت الناسَ قد أعرضوا عن القُرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ومغازي محمد بن إسحاق[٥] ؛ فوضعتُ هذا الحديث حُسْبَة[٦].
[١] الذي في المخطوطة (ورقة ٣٩ ، لوحة ١ ، سطر ٤): (وأعظمهم ضرراً) فقط ، بدون: (البحث الثالث: في أعظمهم ضرراً).
[٢] قال البخاريّ: (منكر الحديث) ، وقال الحاكم: (وضع حديث فضائل القرآن الطويل) . ينظر: ميزان الاعتدال: ٤/ ٢٧٩.
[٣] عكرمة بن عبد الله البربريّ المدني (٢٥ ـ ١٠٥هـ ، ٦٤٥ ـ ٧٢٣م) مولى عبد الله بن عبَّاس ، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي؟! ... . ينظر: الأعلام: ٥/ ٤٣ ـ ٤٤.
[٤] عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطَّلب القرشيّ الهاشميّ (٣ق هـ ـ ٦٨هـ ، ٦١٩ ـ ٦٨٧م) حبرُ الأُمّة ، الصحابيّ الجليل ... . ينظر: الأعلام: ٤/ ٢٢٨ ـ ٢٢٩.
[٥] محمد بن إسحاق بن يسار المُطَّلبي بالولاء ، المدني (توفّي سنة ١٥١هـ) ، من أقدم مؤرِّخي العرب ... ، ومن حفَّاظ الحديث ... . ينظر: الأعلام: ٦/ ٢٥٢.
[٦] ينظر: تدريب الراوي ، ص١٠٢ ، والخُلاصة في أصولِ الحديث ، ص٧٩.