المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٢٥ - عبد الملك بن مروان بن الحكم
فأشخص إليه أرطاة فلم يشك أنه قاتله، فلمّا مثل بين يديه قال له: ما أنت و ذكري في شعرك؟
قال: و أين ذكرتك يا أمير المؤمنين؟
قال: أ لست القائل هذه الأبيات؟ فأنشده إياها.
قال: نعم أنا قائلها و لم أعنك، و إنما عنيت نفسي و أنا أبو الوليد.
و كذلك كان يكنى، فسأل عن ذلك عبد الملك فوجده كما قال، فأفلت منه و خلى سبيله و انصرف إلى بلدة، فلمّا قرب منه قال:
إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف [١] * * * فبشر رجالا يكرهون إيابي
و خبّرهم أن قد رجعت بغبطة * * * أحدّ أظفاري و أصرف نابي
و إني ابن حرب لا تزال تهرني * * * كلاب عدو أو تهر كلابي [٢]
و كفى بهذا ردعا للناس و تخويفا لهم و نهيبا فيهم، لا سيّما الشعراء الذين لا يرجعون عن القول فيمن صغر و كبر و جلّ و قلّ، و في مثل هذا من القول الذي لا شك فيه و لا بد منه: أن الموت حتم لا حائل دونه و سبيل لا معدل عنه، و بمثل هذه الغلظة و الخيفة قطع عبد الملك ذكر فضائل علي عليه السّلام و أخذ على أيدي المحدثين: أن لا يذكروا شيئا منها و لا يظهروا كتابا فيها، و أمر من استعماله منهم بدنياه و أناله منها و أرضاه، أن وضع له أخبارا في فضائل بني أمية لعنة اللّه عليهم و أظهر لعن علي عليه السّلام على المنابر، و تتبع من ينتحل فضله و يقول بإمامته بالقتل و التشريد.
و من تعارفه في التهيّب عند الناس و تخوفهم نفسه، أنه خطب فيما روي عنه فقال: إني و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف، و لا بالخليفة المداهن، و لا بالخليفة
[١]- لفلف: بلد قبل برد من حرة ليلى. معجم ما استعجم: ٤/ ١١٥٩.
[٢]- العمر و الشيب لابن أبي الدنيا: ٦٤، الاغاني: ١٣/ ٣٧، تاريخ دمشق: ٨/ ٤- ٦، البداية و النهاية: ٩/ ٨٤.