المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٢٤ - عبد الملك بن مروان بن الحكم
حتى قوى أمر الروم و طمعوا في الإسلام و غزوه في أرض الشام و أشرفوا عليه، فصالحهم على أن يؤدي إليهم في كل جمعة ألف دينار [١]، فنقص بذلك الإسلام و المسلمين، و صنع صنيعا لم يسبق إليه، و احتقب به إثما و نقصا عليه بإعطائه الدنية في دينه للمشركين، و إعطائهم الجزية و وادعهم، و ترك حربهم و أقبل على حرب ابن الزبير، و لو كان إنما وادعهم عن غير منقصة لحرب من حاربه، لكان معذورا، و لكنه أعطى الدنيّة من نفسه و أدخل النقص على المسلمين بسوء رأيه، و لو حاربهم و ردّ وجهه و شوكته إليهم، لما خاف جانب ابن الزبير و لا غيره، بل كانوا يكونون في حربهم معه، و هو على هذا من سوء حاله أشرف من ولّي من بني أمية عندهم، و الذي وطّد لهم فيما زعموا سلطانهم و أسس ملكهم، و أكثر ما يصفونه به من جميل الحال ما تقدم له قبل أن يصير إلى ما صار إليه ممّا كان يرى به تصنعا لما تغلب عليه، فهم يقولون: إن الخلافة وضعته لما لم يجد، و أستر لعيوبه فيها و ظلمه لما تغلب عليها.
ثم ما يصفونه من الدهاء و المكر و شدة الوطأة بالظلم، و ذلك من أقبح المعايب و أجلّ المثالب، لأن من تعدى حدود اللّه جلّ ذكره و خالف كتابه و غيّر سنن رسوله، فهو من أسوإ الناس حالا و أكثرهم عيبا.
و كان يكنى أبا الوليد، فقال له أرطاة بن شبهة المري، لمّا عظم على الأمة أمره، و استبعد الناس أجله و استطالوا مدته و تمنوا موته:
رأيت المرء تأكله الليالي * * * كأكل الأرض ساقطة الحديد
و ما تجد المنيّة حين تأتي * * * على نفس ابن آدم من مزيد
و اعلم أنها ستكرّ حتى * * * توفي نذرها بأبي الوليد
و كان الشعراء قد تناذروه و خافوه أن يقولوا فيه شيئا، فانتهت هذه الأبيات إليه
[١]- راجع: تاريخ الطبري: ٥/ ٢، البداية و النهاية: ٨/ ٣٤٤، تاريخ ابن خلدون: ٣/ ٧٠.