المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٨ - مقدّمة المؤلف
فحكموا بنسخ ما جعله اللّه عزّ و جلّ فضلا لرسوله، و أوجبه من مودة أولي القربى منه، و هذا تجاسر على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و على آله، و ليست من هاتين الآيتين بحمد اللّه ناسخة و لا منسوخة، بل كلاهما من المحكم و اللّه أعلم، و ليس ينبغي أن يقطع بالقول على إبطال شيء من القرآن بتوهم متوهم و لا برأي ذي رأي، و إثبات ذلك يوجد السبيل إليه.
و قوله عزّ و جلّ: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني في مودّة القربى فهو لكم، أي تؤجرون فيه و تثابون عليه، لا أنه لي، و أجري أنا على اللّه، هذا إن كانت هذه الآية نزلت بعدها.
و إن كانت قبلها، فالأول لا ينسخ الآخر مع أن اللّه عزّ و جلّ قد بيّن هذا الذي اختلفوا فيه من هذا التأويل، على لسان الرسول الذي تعبّده ببيان ما أنزل اللّه عليه، و ذلك ما يبطل قول كل متأول خالفه بلا اختلاف بين المسلمين فيه.
و يؤيد ما قدّمنا ذكره و ذهبنا إليه، قول من جامعنا من العامّة عليه، فقد قال قوم من العامة كقولنا: هي فريضة من اللّه عزّ و جلّ، يعنون مودة قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و قالوا:
إن الآية محكمة، و رووا عن عبد اللّه بن عباس، و ذكروه في التفسير عنه أن قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا نزلت هذه الآية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
- و القائل بهذا القول هو الضحاك و مقاتل، انظر: معاني القرآن: ٦/ ٣٠٩، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٢٢٠ و قال: و لا يتوجه على هذا نسخ أصلا، و أكد على ذلك أيضا في زاد الميسر: ٧/ ٧٩.
و قال الثعلبي: و كفى قبحا بقول من يقول: إن التقرب إلى اللّه بطاعته و مودة نبيه (ص) و أهل بيته منسوخ، و قد قال النبي (ص): (من مات على حب آل محمد مات شهيدا، و من مات على حب آل محمد جعل اللّه زوار قبره الملائكة و الرحمة، و من مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة اللّه، و من مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي). انظر: تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٢- ٢٣.