المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٩ - فأمّا شرف عبد مناف بأبيه
و عظم أمر قصي بمكة و ساد من بها و ألقت مقاليدها إليه، فهو مالك كلبها، و غلب على أمر مكة، و حارب خزاعة و بني بكر و ثبتت معه قضاعة، و أعانه أخوه لأمه رزاح ابن ربيعة بقومه من قضاعة، و كان قد دعى قريشا لحرب خزاعة فخافتها و تثاقلت عليه، فلمّا استنصر بأخيه رزاح و جاءه بأخوته و من أطاعه من قضاعة، قامت معه قريش، و في ذلك يقول رزاح:
و لمّا أتى من قصي رسول * * * فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا إليه نقود الجياد * * * و نطرح عنّا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصباح * * * و نكمن حين النهار النزولا.
في أبيات له، فحارب قصي بقريش و من نصره من قضاعة خزاعة فغلب عليها، ثم تداعوا للصلح و حكّموا بينهم يعمر بن عوف بن كعب بن كنانة، فقضى لقصي بالبيت و أمر مكة، و كانت خزاعة بمكة أكثر من قريش، فأحدثت في الحرم و استخفت به، فنفى قصي خزاعة عن البيت، و ولي أمره و أمر مكة و أمر الحجيج و كانت له السدانة و الرفادة و السقاية [١].
و لمّا صار إليه أمر مكة و حضر وقت الحج أطعم الحجيج و سقاهم، و أوسعهم نزلا و إكراما، فقال في ذلك بعضهم:
أب الحجيج طاعمين لحما * * * أوسعهم رفد قصي شحما
و لبنا محضا و خبزا هشما * * * يملأ من ذلك جفانا رذما [٢]
ثم كان بعد ذلك قد ولي الرفادة، و كان يطعم الحجيج اللحم و الخبز و الزبيب و يسقيهم اللبن، و لمّا قضى يعمر بن عوف على خزاعة بما قضى، حسبوا القتلى
[١]- السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ٧٧، الطبقات الكبرى: ٢/ ١٠٦، تاريخ الطبري: ٢/ ١٦، السيرة النبوية لابن كثير: ١/ ٩٩.
[٢]- لسان العرب: ١٢/ ٦١١، سبل الهدى: ١/ ٢٧٥، تاج العروس: ٩/ ١٠٥.