المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٠ - فأمّا شرف عبد مناف بأبيه
ففضل لهم عشرة فأبوا من تركهم، فقال لهم يعمر: فإني أشدخ رءوس قتلاكم برجلي هذه، فإن أبيتم فاعدوا على الحرب. فرضوا و سلموا، و لذلك سمّى يعمر الشداخ [١].
و بقى البيت في يد قصي و بنى دار الندوة، و هي أول دار بنيت بمكة، فلم يكن يعقد أمر تجتمع فيه قريش إلّا فيها، و بقيت لولده من بعده.
قال محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: و كان قصي بن كلاب أول من أصاب ملكا من ولد كعب بن لؤي أطاع له به قومه، و كانت إليه الحجابة و الرفادة و الندوة و اللواء و السقاية و حكم مكة كله، و كان يعشر من دخل مكة من غير أهلها، و كان له شرف مكة كله، و اتخذ دار الندوة و جعل بابها إلى البيت، و قطع مكة رباعا بين قريش، فأنزل لكل قوم من قريش منازلهم من مكة، و سمّي مجمعا لما جمع أمر قريش، و تيمنت قريش به و شرفته و ملكته، فما ينكح رجل من قريش امرأة و لا يعقدون عقدا و لا يتشاورون في أمر و لا يعقدون لواء حرب، إلّا في دار الندوة بين يديه و هو يلي ذلك لهم، و لا تدرع جارية من قريش إلّا في داره، و لا تخرج عير لقريش إلّا من داره، و لا تنزل إذا قفلت إلّا بها، و كانت قريش في حياته و بعد موته تتبع أمره كالدين المتبع، و نفى خزاعة من مكة [٢].
و لمّا قسّم مكة على قريش شكوا إليه كثرة الشجر بها، و أنهم تحرجوا من قطعها لما كان في الحرم، فنهاهم عن قطعه و قال: قد رأيتم صنع اللّه بخزاعة لمّا استخفت بالحرم، و لكن ابنوا فما مات منه في دوركم فلا عليكم في ذلك.
ففعلوا ذلك عن أمره و لم يتعدوا إلى غيره، و فيه يقول الشاعر:
[١]- تاريخ اليعقوبي: ١/ ٢٣٨، تاريخ الطبري: ٢/ ١٧، الاغاني: ١٨/ ٣٢٢، تهذيب الكمال: ١٣/ ١٦٦.
[٢]- تاريخ اليعقوبي: ١/ ٢٤٠، تاريخ ابن خلدون: ٢/ ٣٣٦.