المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧٣ - الداهية عمرو بن العاص
فلمّا علاه بالسيف و رأى أنه قاتله ألقى بنفسه إلى الأرض و كشف سوأته، فغضّ عليّ بصره حياء و تكرما و انصرف عنه فنجا، و عيّره معاوية بذلك شبيها بالممازح فقال:
أما و اللّه لو كنت أنت لما اهتديت لها.
و لذلك قال علي عليه السّلام يوما بالعراق و قد انتهى إليه عن عمرو مقال قال فيه، فضرب بين يديه فقال: «يا عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أني ذو دعابة و أني امرؤ تلعابة أعافس و أمارس، لقد قال كذبا، إنما يمنعني من ذلك: ذكر الموت، و قراءة القرآن، و خوف البعث و الحساب، و شرّ القول الكذب، إنه ليقول فيكذب و يعد فيخلف و يسأل فيبخل و ينقض العهد و يقطع الآل، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر و آمر ما لم تأخذ السيوف هام الرجال، فإذا كان ذلك ولّاهم استه، قبّحه اللّه و ترحه» [١].
و عمرو و هو الذي ألقى الشبهة لأهل الشام في قتل عمار، لأنهم كانوا يروون أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال له: «يا عمار تقتلك الفئة الباغية» [٢] فلمّا قتله أصحاب معاوية تكلموا في ذلك و فشى القول فيه و اغتمّ معاوية لذلك، فقال لهم عمرو: إنما قتل عمارا عليّ [لأنه هو] الذي جاء به و ألقاه في الحرب و عرّض به القتل. فجازت عليهم.
و قد قال علي عليه السّلام لمّا بلغه ذلك: «إن كنت أنا قتلت عمارا فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قتل من استشهد معه من المهاجرين و الأنصار! يا لها من عقول ناقصة».
و كان معاوية و عمرو يتفاخران بالمكر و يتعارضان بالدهاء، و قيل: إن رجلا ممّن كان مع علي عليه السّلام هرب إلى معاوية، فدخل إليه و قد احتفل أهل الشام عنده و عمرو بن العاص بحضرته، فقال معاوية للرجل: من أين أقبلت إلينا؟
[١]- أنساب الأشراف: ١٥١، شرح نهج البلاغة: ٦/ ٢٨٠.
[٢]- سنن الترمذي: ٥/ ٣٣٣ ح ٣٨٨٨، المعجم الكبير: ٥/ ٢٢١، تاريخ بغداد: ١٣/ ١٨٨، تاريخ دمشق: ٢١/ ٤١٥.