المغازي - الواقدي - الصفحة ٧٧٢ - غزوة ذات السّلاسل
(١) أجمع الماء فى البيض- بيض النّعام- فأجعله فى أماكن أعرفها، فإذا مررت بها و قد ظمئت استخرجتها فشربت منها. فلما نفرت فى ذلك البعث قلت: و اللّه لأختارنّ لنفسي صاحبا ينفعني اللّه به. فاخترت أبا بكر الصّدّيق فصحبته، و كانت له عباءة فدكيّة [١]، فإذا ركب خلّها [٢] عليه بخلال، و إذا نزلنا بسطها. فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر، رحمك اللّه! علّمنى شيئا ينفعني اللّه به. قال: قد كنت فاعلا و لو لم تسألنى، لا تشرك باللّه، و أقم الصلاة، و آت الزكاة، و صم رمضان، و حجّ البيت و اعتمر، و لا تتأمّر [٣] على اثنين من المسلمين. قال: قلت: أما ما أمرتنى به من الصلاة و الصوم و الحج فأنا فاعله، و أما الإمارة فإنى رأيت الناس لا يصيبون هذا الشّرف و هذا الغنى و هذه المنزلة عند رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و عند الناس إلّا بها. قال: إنك استنصحتني فجهدت لك نفسي، إنّ الناس دخلوا فى الإسلام طوعا و كرها فأجارهم [٤] اللّه من الظلم، و هم عوّاد اللّه و جيران اللّه، و فى أمانته، فمن أخفر فإنما يخفر اللّه فى جيرانه، و إنّ شاة أحدكم أو بعيره ليذهب فيظلّ ناتئا [٥] عضله غضبا لجاره، و اللّه من وراء جاره. قال: فلما توفّى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و استخلف أبو بكر رضى اللّه عنه جئته فقلت: يا أبا بكر، ألم تنهني أن أتأمّر على اثنين؟ قال: بلى، و أنا على ذلك! قال: فما لك تأمّرت على أمّة محمّد؟ قال: اختلف الناس و خشيت
[١] لعلها منسوبة إلى فدك، و هي قرية قريب من خيبر بينها و بين المدينة ست ليال. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٥).
[٢] خلها عليه: أى جمع بين طرفيها بخلال من عود أو حديد. (النهاية، ج ١، ص ٣١٨).
[٣] تأمر عليهم: تسلط. (الصحاح، ص ٥٨٢).
[٤] فى الأصل: «فأرجاهم».
[٥] الناتئ: المرتفع المنتفخ. و العضل: جمع عضلة، و هي القطعة من اللحم الشديدة. (شرح أبى ذر، ص ٤٥٤).