المغازي - الواقدي - الصفحة ٦٠٦ - غزوة الحديبية
(١) رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )جالسا يومئذ متربّعا، و إنّ عبّاد بن بشر و سلمة بن أسلم بن حريش مقنّعان بالحديد، قائمان [١] على رأس النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم، إذ رفع سهيل بن عمرو صوته قالا: اخفض من صوتك عند رسول اللّه! و سهيل بارك على ركبتيه، رافع صوته كأنى أنظر إلى علم [٢] فى شفته و إلى أنيابه، و إنّ المسلمين لحول رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )جلوس.
قالوا: فلما اصطلحوا فلم يبق إلّا الكتاب، وثب عمر إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقال: يا رسول اللّه، ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: بلى! قال: فعلام نعطى الدّنيّة فى ديننا؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أنا عبد اللّه و رسوله، و لن أخالف أمره، و لن يضيّعنى. فذهب عمر إلى أبى بكر رضى اللّه عنه فقال: يا أبا بكر، ألسنا بالمسلمين؟ فقال: بلى! فقال عمر: فلم نعطى الدّنيّة فى ديننا؟
فقال أبو بكر: الزم غرزه [٣]! فإنى أشهد أنّه رسول اللّه، و أنّ الحقّ ما أمر به، و لن نخالف أمر اللّه و لن يضيّعه اللّه! و لقى عمر من القضية أمرا كبيرا، و جعل يردّ على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )الكلام و يقول:
علام نعطى الدّنيّة فى ديننا؟ فجعل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يقول:
أنا رسول اللّه و لن يضيّعنى!
قال: فجعل يردّ على النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )الكلام. قال: يقول أبو عبيدة بن الجرّاح: ألا تسمع يا ابن الخطّاب رسول اللّه يقول ما يقول؟ تعوّذ باللّه من الشيطان و اتّهم رأيك! قال عمر رضى اللّه عنه: فجعلت أتعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم حياء، فما أصابنى
[١] فى الأصل: «قائمين».
[٢] العلم: الشق فى الشفة العليا. (الصحاح، ص ١٩٩٠).
[٣] أى الزم أمره. و الغرز للرحل بمنزلة الركاب للسرج. (شرح أبى ذر، ص ٣٤١).