التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى - الحسيني، السيد محمد علي - الصفحة ٥٦ - التفاعل بين الفكر الأصولي و الفكر الفقهي
جواز عملية الاستنباط: ما دام علم الأصول يرتبط بعملية الاستنباط، و يحدّد عناصرها المشتركة، فيجب أن نعرف قبل كلّ شيء موقف الشريعة من هذه العملية، فهل سمح الشارع لأحد بممارستها [١] لكي يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة؟
و الحقيقة أنّ مسألة جواز الاستنباط حين تطرح للبحث بالصيغة الّتي طرحناها [٢] لا يبدو أنها جديرة بالنقاش؛ لأنّنا حين نتساءل: هل يجوز لنا ممارسة عمليّة الاستنباط أو لا؟ يجيء الجواب على البداهة بالإيجاب؛ لأنّ عملية الاستنباط- كما تقدّم- عبارة عن تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا [٣]، و من البديهي أنّ الإنسان
[١]. بلا اشكال أنّ الشارع المقدس سمح بهذه العملية، بل هي واجب كفائي، قال تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة: ١٢٢.
فإنّ التفقه في الدين هو الاجتهاد هنا أي الاستنباط الّذي وجب بحكم الآية الكريمة. و قد ورد عنهم (عليهم السلام): «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّة عليكم و أنا حجّة اللّه».
و كذلك: «من كان من الفقهاء صائنا نفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه فللعوام أن يقلّدوه».
[٢]. لانّه سوف يأتي معنى أنّ أهل السنّة استخدموا هذه الصيغة أيضا بمعنى القول بالرأي و الاستحسان و القياس.
[٣]. التأكيد على الاستدلال من خلال القرآن و السنّة لا كما فعل العامّة، حيث استعانوا، بل أدخلوا القول بالرأي و القياس و الاستحسان و الإجماع على أساس أنّه بحدّ ذاته مصدر مستقلّ للحكم.