التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى - الحسيني، السيد محمد علي - الصفحة ٦١ - جواز عملية الاستنباط
الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، و هو «بذل الوسع للقيام بعمل ما» [١] و قد استعملت هذه الكلمة- لأول مرّة- على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد الّتي قرّرتها بعض مدارس الفقه السنّي و سادت على أساسها، و هي القاعدة القائلة: «إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا و لم يجد نصّا يدلّ عليه في الكتاب و السنّة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص» [٢].
و الاجتهاد هنا [٣] يعني التفكير الشخصي، فالفقيه حيث لا يجد النصّ يرجع إلى تفكيره الخاصّ، و يستلهمه و يبني على ما يرجح في فكره الشخصيّ من تشريع، و قد يعبّر عنه بالرأي أيضا. و الاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلّة الفقيه و مصدرا من مصادره، [٤] فكما أنّ الفقيه
[١]. نهاية اللغة لابن كثير، مادّة «جهد».
[٢]. قال الدواليبي في مدخل إلى علم الأصول: «كانت ترد على الصحابة أقضية لا يرون فيها نصّا من الكتاب أو السنّة، و إذ ذاك كانوا يلجئون إلى الاجتهاد، و كانوا يعبّرون عنه بالرأي أيضا، كما كان يفعل أبو بكر و كذلك عمر فعل ...» أقول: إن دعوى عدم وجود دليل في الكتاب و السنة مخالفة لقوله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ و أنّ الدين أصبح كاملا من كل جهة بقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و لكثير من الروايات الّتي نصّت على: «ما من شيء إلّا و فيه كتاب أو سنّة» و «ما من حادثة إلّا و للّه فيها حكم» و لكن هذا لمن أراد الحقّ و العلم به لا لمن أراد المصلحة الشخصية، كذلك من الطبيعي جدّا للجاهل بشرع اللّه أن يقول: لم أجد آية أو رواية لهذا الحكم، فيقول برأيه، بيد أنّ العالم بشرع اللّه و ما في كتاب اللّه و سنة نبيّه يستحيل أن يقول هذا الكلام الّذي يعدّ تنقيصا للشريعة. فتدبرّ جيدا.
[٣]. عند السنّة.
[٤]. مصادر التشريع عند السنّة هي: الكتاب و السنة و الإجماع، بمعنى أنّه مصدر أساسي، و كذلك الاجتهاد انظر: أصول الفقه: محمد الخضري: ٣٦٨؛ المدخل إلى علم الأصول: ٥٣ للدواليبي.