اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١١٤ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
الاقتصادي الذي تحدده وتفرضه قوى الإنتاج .
والواقع أنّ أروع ما في الماركسية وأكثر قواها التحليلية إغراءً واستهواء إنّما هو قوة هذا الشمول والاستيعاب الذي تتميز به على أكثر التفاسير الأخرى للعمليات الاجتماعية أو الاقتصادية ، وتعبّر من خلاله عن ترابط وثيق محدّد بين مختلف تلك العمليات في كل الميادين الإنسانية . فليست الماركسية فكرة نظرية محدودة ، أو تحليلاً اجتماعياً أو اقتصادياً فحسب ، وإنّما هي تعبير تحليلي شامل عن كلّ العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كما تجري منذ آلاف السنين في مجراها التأريخي الطويل ، لتتكوّن منها في كلّ لحظة تأريخية حاسمة حالة معيّنة تحدّد بنفسها وبطريقة جدلية ما يعقبها من حالات متلاحقة على مدار الزمن ، تتابع في لحظات تأريخية فاصلة .
ومن الطبيعي أن تستأثر مثل هذه النظرية بتقدير الناس ، وتوحي إليهم بالإعجاب أكثر من أيّ نظرية أخرى ما دامت قد زعمت لهم أنّها وضعت في أيديهم كلّ أسرار الإنسانية ، وألغاز التأريخ ، وما دامت قد تفوّقت على كلّ النظريات العلمية ، عن الاجتماع والاقتصاد ، في نقطة ذات وزن جماهيري كبير ، وهي : أنّها استطاعت أن تمزج آمال الناس بالتحليل العلمي ، وأن تقدّم إليهم أمانيهم التقليدية في إطار تحليلي قائم على أسس مادّية ومنطقية بالمقدار الذي أتيح لماركس أن يصل إليه ، بينما لم تكن النظريات العلمية الأخرى في الاجتماع والاقتصاد تظفر ـ على أفضل تقدير ـ إلاّ بعناية حفنة من العلماء والأخصائيين .
والمادّية التأريخية بوصفها فرضية عامة تقرّر ـ كما عرفنا سابقاً ـ : أنّ جميع الأوضاع والظواهر الاجتماعية نابعة من الوضع الاقتصادي ، وهو بدوره يتكوّن نتيجة لوضع القوى المنتجة . فالوضع الاقتصادي هو همزة الوصل بين قوّة الإنتاج