اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٩ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
فرض على البقعة التي ملكها نظامه وأفكاره ؟!
وأمّا القسم الثاني من البلاد الاشتراكية : فقد أقيمت فيها الأنظمة الاشتراكية بقوّة الثورات الداخلية ، ولكن هذه الثورات الداخلية لم تتجسّد فيها قوانين الماركسية ، ولم تجيء طبقاً للنظرية التي حلّ بها الماركسيون كلّ ألغاز التأريخ .
فروسيا ـ وهي البلد الأوّل في العالم الذي سيطر عليه النظام الاشتراكي بفعل الثورات الداخلية ـ قد كانت في مؤخّرة الدول الأوروبية من الناحية الصناعية ، ولم يكن نمو القوى المنتجة فيها قد بلغ الدرجة التي تحدّدها النظرية لإمكانية التحوّل واندلاع الثورة الاشتراكية . فلم يلعب تزايد القوى المنتجة دوره الرئيسي في تقرير شكل النظام ، وتكوين جوهر المجتمع وفقاً للنظرية ، بل لعب دوراً معكوساً ؛ إذ نمت القوى المنتجة في بلادٍ كفرنسا وبريطانيا وألمانيا نموّاً هائلاً ، ودخلت تلك البلاد في درجة عالية من التصنيع ، وبمقدار ارتقائها في هذا المضار كان بعدها عن الثورة ونجاتها من الانفجار الثوري الشيوعي المحتوم ، في مفاهيم المادّية التأريخية .
وأمّا روسيا فقد كانت الحركة التصنيعية فيها منخفضة جداً ، وكان الرأسمال المحلّي عاجزاً تماماً عن حلّ مشاكل التصنيع السريع في ظلّ ظروفها السياسية والاجتماعية ، ولم يكن هناك موضع للقياس : بين الرأسمالية الصناعية في تلك البلاد المتخلّفة ، وبين قوى الصناعة وضخامة الرأسمال الصناعي في الغرب الأوروبي ، ومع ذلك أخصب الاتجاه الثوري فيها وتفجّر ، وجاءت الثورة الصناعية كنتيجة للثورة السياسية ، فكان الجهاز الانقلابي في الدولة هو الأداة الفعّالة لتصنيع البلاد وتطوير قواها المنتجة ، ولم يكن التصنيع وتطور قوى البلاد المنتجة هو السبب في خلق ذلك الجهاز ، وإنشاء تلك الأداة .
وإذا كان من الضروري أن نربط بين الثورة من ناحية ، وحركة التصنيع