اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٠ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
ترتكز على أساس ديني ، وتتمثّل في جماعات لا تشترك في مصلحة طبقية ، وإنّما تشترك في طابع ديني واحد .
وكذلك إذا أمكن أن نفترض : أنّ نشوء الدولة في المجتمع الإنساني كان إشباعاً لنزعة أصيلة في النفس الإنسانية ، التي تملك استعداداً كامناً للميل إلى السيطرة والتفوّق على الآخرين . فكانت الحكومة من وحي هذا الميل ، وتعبيراً عملياً عنه .
ولا أريد أن أستقصي كلّ الفرضيات التي يمكن تفسير الدولة على أساسها ، وإنّما أرمي من وراء هذا : على القول بأنّ تفسير الماركسية للدولة لا يمكن أن يكتسب طابعاً علمياً ما لم يستطع أن يدحض سائر تلك الافتراضات ، ويقدّم الدليل من الواقع على زيفها .
وقد سقنا تفسير الماركسية للدولة كنموذج لسائر مفاهيمها وفرضيّاتها التأريخية ، التي تفسّر المجتمع الإنساني على أساسها . فإنّ جميع تلك الفرضيات تتطّلب من الماركسية ـ لكي تصبح نظريات علمية جديرة بالقبول ـ أن تقدّم الدليل على كذب كلّ فرضية سواها ، ولا يكفي لقبولها أن تكون فرضيّات ممكنة صالحة للانطباق على الواقع وتفسيره .
فلنرى ـ إذن ـ ماذا يمكن للماركسية أن تقدّمه من دليل علمي بهذا الصدد ؟ إنّ أوّل وأهمّ عقبة تواجه الماركسية في هذا المجال هي العقبة التي تضعها في طريقها طبيعة البحث التأريخي ؛ ذلك أنّ البحث في المجال التأريخي ( نشوء المجتمع ، وتطوّره ، والعوامل الأساسية فيه ) يختلف عن البحوث العلمية في مجالات العلوم الطبيعية التي يستخلصها العالم الفيزيائي ـ مثلاً ـ من تجاربه العملية في المختبر .
فالباحث التأريخي والعالم الفيزيائي وإن كانا يلتقيان عند نقطة واحدة ، وهي : أنّ كلاً منهما يتناول مجموعة من الظواهر ـ ظواهر المجتمع البشري كالدولة