اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٢ - المذهب الاقتصادي
إلينا النصّ محرّفاً ، خصوصاً في الحالات التي لا يصل إلينا النصّ فيها إلاّ بعد أن يطوف بعدّة رواة ، ينقله كلّ واحد منهم إلى الآخر ، حتى يصل إلينا في نهاية الشوط . وحتى لو تأكدنا أحياناً من صحّة النصّ ، وصدوره من النبيّ أو الإمام ، فإنّنا لن نفهمه إلاّ كما نعيشه الآن ، ولن نستطيع استيعاب جوّه وشروطه ، واستبطان بيئته التي كان من الممكن أن تلقي عليه ضوءاً .
ولدى عرض النصّ على سائر النصوص التشريعية للتوفيق بينه وبينها ، قد نخطئ أيضاً في طريقة التوفيق ، فنقدّم هذا النصّ على ذاك ، مع أنّ الآخر أصحّ في الواقع ، بل قد يكون للنصّ استثناء في نصّ آخر ولم يصل إلينا الاستثناء ، أو لم نلتفت إليه خلال ممارستنا للنصوص ، فنأخذ بالنصّ الأوّل مغفلين استثناءه الذي يفسّره ويخصِّصه .
فالاجتهاد إذن عملية معقّدة ، تواجه الشكوك من كلّ جانب ومهما كانت نتيجته راجحة في رأي المجتهد ، فهو لا يجزم بصحتها في الواقع ، ما دام يحتمل خطأه في استناجها ؛ إمّا لعدم صحّة النصّ في الواقع وإن بدأ له صحيحاً ، أو لخطأ في فهمه ، أو في طريقة التوفيق بينه وبين سائر النصوص ، أو لعدم استيعابه نصوصاً أخرى ذات دلالة في الموضوع ذهل عنها الممارس أو عاثت بها القرون .
وهذا لا يعني بطبيعة الحال إلغاء عملية الاجتهاد أو عدم جوازها ، فإنّ الإسلام ـ بالرغم من الشكوك التي تكتنف هذه العملية ـ قد سمح بها ، وحدّد للمجتهد المدى الذي يجوز له أن يعتمد فيه على الظن ، ضمن قواعد تُشرح عادة في علم أصول الفقه ، وليس على المجتهد إثمٌ إذا اعتمد ظنّه في الحدود المسموح بها ، سواء أخطأ أو أصاب .
وعلى هذا الضوء يصبح من المعقول ومن المحتمل أن توجد لدى كلّ مجتهد مجموعة من الأخطاء والمخالفات لواقع التشريع الإسلامي ، وإن كان