اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٥ - المذهب الاقتصادي
وعملية التجريد هذه تتّخذ شكلين :
[ الشكل الأوّل : ] ففي بعض الأحيان يجد الممارس نفسه يعيش واقعاً عامراً بسلوك اقتصادي معيّن ، ويحسّ بوضوح هذا السلوك وأصالته وعمقه إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إيجاده ، والظروف الموقّتة التي مهّدت له ، فيخيّل له أنّ هذا السلوك أصيل ، وممتدٌ في التأريخ إلى عصر التشريع ، بينما هو وليد عوامل وظروف معيّنة حادثة ، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقل تقدير .
ولنذكر لذلك على سبيل المثال : الإنتاج الرأسمالي في الأعمال والصناعات الاستخراجية . فإنّ الواقع اليوم يغص بهذا اللون من الإنتاج ، الذي يتمثّل في عمل أُجراء يستخرجون المواد المعدنية من ملح أو نفط ، ورأسمالي يدفع إليهم الأجور ، ويعتبر نفسه لأجل ذلك مالكاً للمادّة المستخرجة .
وعقد الإجارة ـ هذا الذي يقوم بين الرأسمالي والعمّال ـ يبدو الآن طبيعياً في مضمونه ونتائجه الآنفة الذكر ـ أي تمّلك العامل للأجرة ، وتمّلك الرأسمالي للمادة ـ إلى درجة قد تتيح للكثير أن يتصوّروا هذا النوع من الاتفاق قديماً ، بقدم اكتشاف الإنسان للمعادن واستفادته منها ، ويؤمنون على أساس هذا التصوّر : بأنّ هذا النوع من الإجارة كان موجوداً في عصر التشريع . ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك التفكير في الاستدلال على جواز هذه الإجارة ، وتمّلك الرأسمالي للمادة المستخرجة ؛ بدليل التقرير ، فيقال : إنّ سكوت الشريعة عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإسلام بها .
ولا نريد هنا أن نقول شيئاً عن هذا الإجارة ومقتضياتها من الناحية الفقهية ، ولا عن أقوال الفقهاء الذين يشكّون فيها أو في مقتضياتها ، فإننا سوف ندرس الحكم الشرعي لهذه الإجارة ومقتضياتها بكلّ تفصيل في بحثٍ مقبل ، ونستعرض