اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١٣ - موقف المذهب الرأسمالي تجاه الحرّية الاجتماعية
ضمان الحصول على أيّ شيء يسعى إليه الفرد في مجال نشاطه الاقتصادي وإن كان حلماً خيالياً غير ممكن التحقيق ، ومن الشطط أن يُكلّف المذهب الاجتماعي بتحقيقه ، غير أنّ توفير حدّ أدنى من الحرّية الجوهرية في المجال الاقتصادي وإعطاء ضمانات كافية لمستوى معيّن من المعيشة ، مهما كانت فرص الإنسان وشروطه ، ليس شيئاً مثالياً متعذّر التحقيق ، ولا سبباً في تجميد المواهب وطاقات النموّ والتكامل في الإنسان ، ما دامت المستويات الأكثر رقياً قيد التنافس الحرّ ، فهي تتطلّب من الأفراد جهداً ونشاطاً وتنمّي فيهم الاعتماد على أنفسهم .
فالرأسمالية إذن لا تستطيع أن تستند في موقفها السلبي من الحرّية الجوهرية والضمان ، إلى استحالة إعطاء مثل هذا الضمان، أو القول : بأنّ هذا الضمان يشلّ الطاقة الحرارية في النشاط الإنساني ؛ مادام يمكن للمذهب أن يوفّر درجة معقولة من الضمان ، ويفتح خارج حدود هذه الدرجة مجالات للتنافس الذي يذكي القابليات وينمّيها .
والحقيقة : أنّ موقف الرأسمالية السلبي من فكرة الضمان والحرّية الجوهرية كان نتيجة حتمية لموقفها الإيجابي من الحرّية الشكلية . لأنّها حين تبنّت الحرّية الشكلية وأقامت كيانها المذهبي عليها كان من الضروري لها أن ترفض فكرة الضمان ، وتقف موقفها السلبي من الحرّية الجوهرية ، لأنّ الحرّية الجوهرية والحرّية الشكلية متعارضتان . فلا يمكن توفير الحرّية الجوهرية في مجتمع يؤمن بمبدأ الحرّية الشكلية ويحرص على توفيرها لجميع الأفراد في مختلف المجالات ، فإنّ حرّية رجال الأعمال في استخدام العامل ورفضه ، وحرّية أصحاب الثروات في التصرّف في أموالهم طبقاً لمصالحهم الخاصة كما يقرّره مبدأ الحرّية الشكليّة ، يعني عدم إمكان وضع مبدأ ضمان العمل للعامل ، أو ضمان المعيشة لغير العامل من العاجزين ؛ لأنّ وضع مثل هذه الضمانات لا يمكن أن يتمّ