اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١١١ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
ومن حقّنا بعد هذا أن نتساءل : عما إذا كانت تقوم حكومة ثورية في روسيا تحمل الطابع السياسي والاقتصادي للاشتراكية ، لو أنّ روسيا لم تكن متأخّرة صناعياً وسياسياً وفكرياً عن مستوى الدول الصناعية الكبرى ؟!
والصين ـ وهي البلد الآخر الذي ساد فيه النظام الاشتراكي بالثورة ـ نجد فيها ـ كما وجدنا في روسيا ـ التناقض الواضح بين النظرية والتطبيق ، فلم تكن الثورة الصناعية هي العامل الأساسي في تكوين الصين الجديدة ، وقلب نظام الحكم فيها ، ولم يكن لوسائل الإنتاج وفائض القيمة ، وتناقضات رأس المال ـ التي تقرّرها قوانين المادّية التأريخية ـ أيّ دور رئيسي في المعترك السياسي .
وشيء آخر جدير بالملاحظة : هو أنّ الثورات الداخلية التي مارست عملية تطبيق الاشتراكية الماركسية ، لم تكن تعتمد في انتصارها على الصراع الطبقي ، وانهيار الطبقة الحاكمة أمام الطبقة المحكومة ، بسبب شدّة التناقضات الطبقية بينهما بمقدار ما اعتمدت على انهيار الجهاز الحاكم انهياراً عسكرياً في ظروف حربية قاسية ، كانهيار الحكم القيصري في روسيا عسكرياً بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى ، الأمر الذي مكّن للقوى المعارضة ـ وعلى رأسها الحزب الشيوعي ـ من الانتصار السياسي بشكل ثوري أدّى إلى امتلاك الحزب الشيوعي لأزمّة الحكم ، بصفته أبرع القوى المعارضة تنظيماً وتكتّلاً ، وأقواها وحدة من الناحية الفكرية القيادية ، وكذلك الثورة الشيوعية في الصين ، فإنّما وإن بدأت قبل الغزو الياباني ولكنّها ظلّت لمدّة عقدٍ كاملٍ ، تنتشر وتتوسّع لتخرج نهائياً منتصرة بانتهاء الحرب . فلم يستطع التطبيق مرّة واحدة حتى الآن أن يحقّق النصر عن طريق التناقض الداخلي فحسب ، أو أن يحطّم جهاز الدولة ما لم تُحطِّم الجهاز ظروف حربية وخارجية ، تدعو إلى زعزعته وانهياره .
فملامح النظرية وسماتها العامة لم تبدُ على التطبيق ، وإنّما كلّ ما بدا من