الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٧٣ - إثبات المعاد
[إثبات المعاد]
قال: الفصل الرابع في المعاد.
أصل[١]- إنّ اللّه تعالى خلق الإنسان، و أعطاه العلم و القدرة و الإرادة و الإدراك و القوى المختلفة، و جعل زمام الاختيار بيده، و كلّفه بتكاليف شاقّة، و خصّه بالألطاف الخفيّة و الجليّة، لغرض عائد إليهم. و ليس ذلك إلّا نوع كمال لا يحصل إلّا بالكسب، إذ لو أمكن بلا واسطة، لخلقهم عليه ابتداء. و لمّا كانت الدنيا هي دار التكليف فهي دار الكسب، يعمّر الإنسان فيها مدّة يمكن تحصيل كماله فيها، ثمّ يحوّل إلى دار الجزاء، و تسمّى دار الآخرة.
أقول: المعاد مفعل مشتقّ من العود، و صيغة مفعل، تجيء للزمان و المكان، أي زمان العود أو مكانه. و المراد به هاهنا: الوجود الثاني للأبدان و عود النفس إليها بعد مفارقتها.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ اللّه تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، كما حكاه في كتابه الكريم[٢]، فعدّل مزاجه بحسب ما يقتضيه نوعه للأفعال المطلوبة منه، فزاده- بعد تعديل أركان بدنه- إفاضة النفس الناطقة و تعلّقها ببدنه، و جعل لها تصرّفا في ذلك البدن و به.
فوهبه قوى مختلفة تنقسم إلى مدركة و إلى محرّكة.
أمّا المدركة فهي إمّا للكلّيّات و هي القوّة العقليّة المحصّلة للعلوم، و إمّا للجزئيّات.
فإمّا ظاهرة، و هي السمع و البصر و الشمّ و الذوق و اللمس، و إمّا باطنة، و هي خمس أيضا:
[١]من الفصول النصيريّة.
[٢]التين/ ٤.