الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٢٦ - ضرورية الحكم بالحسن و القبح العقليين
فيكون جائزا منه حينئذ. فإذا أخبرنا بحسن شيء أو بقبحه لم نجزم بذلك لجواز كذبه في إخباره.
و منها أنّه لو لا ذلك لكان يجوز العكس بأن يصير الحسن قبيحا بحكم الشارع و القبيح حسنا بحكمه فيثيب الكافر و يعاقب المؤمن، و اللازم كالملزوم في البطلان و الملازمة ظاهرة، إذ الغرض أنّ العقل لا يحسّن و لا يقبّح لذاته و لا لصفة تقوم به حينئذ، بل بمجرّد الأمر، فكان يجوز العكس، و بطلانه ظاهر ضرورة.
[ضروريّة الحكم بالحسن و القبح العقليّين]
قال المصنّف: «و الأولى إثباتها بالضرورة»، و هو طريقة أبي الحسين البصريّ[١]، فإنّا نعلم ضرورة حسن الصدق النافع و قبح الكذب الضارّ، و قبح تكليف الكتابة من لا يدله، و المشي من لا رجل له، كما نعلم كون الكواكب في السماء، و أنّ السماء فوقنا و الأرض تحتنا، و أنّ المدّ و الجزر في البصرة دون بغداد. و إنّما كان الأولى إثبات ذلك بالضرورة لأنّ الاستدلال ما لم ينته إلى مقدّمات ضروريّة يلزم التسلسل أو الدّور الباطلان، فكان الاعتماد على الضرورة أولى. و الضمير في «عليها» و «إثباتها» راجع إلى الحسن و القبح و الوجوب.
قال: و سبب الاشتباه في الحكم اشتباه ما يتوقّف عليه الحكم من تصوّرات معاني الألفاظ من المحكوم به و المحكوم عليه و لا ينافي ذلك ضروريّة الحكم لأنّ الضروريّ هو الذي إذا حصل تصوّر الطرفين حصل الحكم، من غير حاجة إلى واسطة لأجل الحكم، بل[٢] لأجل التصوّرات. و محلّ النزاع كذلك فإنّ من تصوّر حقيقة الحسن و القبح حكم بنفرة العقل من ترك الأوّل و فعل الثاني، من غير توقّف على أمر آخر.
أقول: هذا جواب سؤال يرد على قوله: و الأولى إثباتها بالضرورة.
تقرير السؤال أنّ المعلوم ضرورة لا يختلف فيه و لا يقع فيه اشتباه و لا شكّ. و الحكم هنا بخلاف ذلك فيهما، فإنّ الخلاف فيه واقع، و الاشتباه و الشكّ ظاهر فإنّا نتشكّك في
[١]نقل عنه في شرح الأصول الخمسة، قال: و قد سلك شيخنا أبو عبد اللّه البصريّ طريقة أخرى، و هي أنّ كلّ عاقل يستحسن بكمال عقله التفرقة بين المحسن و المسيء. شرح الأصول الخمسة: ٣٠٨.
[٢]في النسخ: لا. و ما أثبتناه من الفصول النصيريّة.