الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٢٩ - أفعال العبيد صادرة عن اختيار
المنضمّة إلى القدرة توجب الفعل و يستحيل معها الترك[١]. و لأنّ الممكن ما لم يجب لم يقع كما تقرّر من قبل[٢].
و قالت المعتزلة[٣] و الإماميّة بالاختيار. و لا ينافي ذلك الوجوب مع انضمام الإرادة إذ المراد بالاختيار نظرا إلى القدرة المستقلّة.
و احتجّ أبو الحسين البصريّ على هذا القول بالضرورة، و ليس ببعيد فإنّ كلّ عاقل يعلم ذلك و يحكم به بل كلّ ذي حسّ حتّى البهائم، فإنّها تهرب من الإنسان عند استشعار أذاه و لا تهرب من النخلة و الجدار. و ليس ذلك إلّا لما تقرّر في وهمها صدور الفعل من الإنسان دون الجماد. و ذكر أبو الحسين على سبيل التنبيه وجهين:
الأوّل: أنّ هذه الأفعال واقعة بحسب قصودنا و دواعينا، و منتفية بحسب كراهتنا و صوارفنا و لا نعني بالفاعل إلّا من وقع الفعل منه بحسب قصده و دواعيه، و انتفى بحسب كراهته و صارفه.
الثاني: أنّه قد تقدّم حكم العقل ضرورة بحسن المدح على الإحسان و حسن الذمّ على الإساءة. و ذلك متوقّف على كون المحسن و المسيء فاعلين، فلو لم يكن العلم بفاعليّتهما ضروريّا لزم ضروريّة الفرع مع عدم ضروريّة الأصل، و هو محال[٤].
قال: و إن استدللنا عليه، قلنا: إن وجد شيء من القبائح في العالم فالعبيد موجدوا أفعالهم، و الملزوم ثابت باعتراف الخصم، فكذا اللازم.
بيان الملازمة: أنّا بيّنّا أنّ القبيح محال على الواجب، فيكون فاعله غيره. و إذا كان
[١]قال المحقّق الطوسيّ في «تلخيص المحصّل»: زعم أبو الحسن الأشعريّ أنّه لا تأثير لقدرة العبد في مقدوره أصلا، بل القدر و المقدورات واقعان بقدرة اللّه تعالى. و قالت الفلاسفة: إنّ اللّه تعالى موجد للعبد القدرة و الإرادة، ثمّ هما يوجبان وجود المقدور. تلخيص المحصّل: ٣٢٥.
[٢]يراجع ص: ٥٥.
[٣]اتّفقت المعتزلة على أنّ العبد قادر خالق لأفعاله خيرها و شرّها، مستحقّ على ما يفعله ثوابا و عقابا في الدار الآخرة. و قال أبو الحسن البصريّ: إنّ العلم بذلك ضروريّ. كشف المراد: ٢٣٩، مذاهب الإسلاميّين ١: ٤٨.
[٤]المعتمد في أصول الفقه: ١: ٣٣٤- ٣٤١.