الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٦٨ - نبينا صلى الله عليه و آله أفضل من الأئمة عليهم السلام
و لا شكّ أنّ هذه المعاني كلّها لازمة و معلولة للقيام بكمال الطاعات و اجتناب المقبّحات الذي هو معنى التقوى لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[١]. إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه لمّا وجب عصمة الأنبياء و الأئمّة وجب حصولهم على كمال الطاعات و اجتناب كلّ المقبّحات، فلا جرم كانوا أقرب بالمعاني المذكورة.
الثالثة: أنّه تقدّم وجوب كون الإمام أفضل من رعيّته لما قلناه من الاحتياج إليه.
و لأنّه لولاه لكان إمّا مساويا، فيلزم الترجيح بلا مرجّح، أو مفضولا و هو قبيح عقلا و شرعا، لقوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[٢].
[نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله أفضل من الأئمّة عليهم السّلام]
إذا عرفت هذا فالإمام لمّا كان من رعيّة النبيّ صلى اللّه عليه و آله- لأنّه محتاج إليه في التكميل- وجب كون النبيّ أفضل منه لما قلناه. هذا تقرير كلام المصنّف رحمه اللّه، و ليس فيه هضم لمنصب الإمامة كما تراه، لا كما ظنّه بعضهم حتّى قال: إنّ عليّا عليه السّلام نفس النبيّ صلى اللّه عليه و آله لقوله: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ في آية المباهلة[٣]. و إذا كان نفسه لا يكون نسبته إليه كنسبة الرعيّة في النقص.
قلنا: كونه نفسه أو كنفسه لا يمنع من احتياجه إليه في تحصيل الكمالات العلميّة و العمليّة الذي هو مرادنا فإنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله أفضل منه بذلك الاعتبار. و من تصفّح كلام عليّ عليه السّلام ظهر له حقيقة ما ذكرناه، كقوله: و قد قيل له: لقد اوتيت علم الغيب؟ فقال: «ليس ذلك بعلم غيب، إنّما هو علم علّمه اللّه نبيّه ثمّ علّمنيه»[٤]، و كقوله عليه السّلام في وصف حاله مع النبيّ صلى اللّه عليه و آله: «يرفع لي كلّ يوم علما من أخلاقه»[٥]، إلى غير ذلك. و الحكم الفاصل بينهما ما حكاه عليّ عليه السّلام أنّه قال له: «يا عليّ إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى، لكنّك
[١]حجرات/ ١٣.
[٢]يونس/ ٣٥.
[٣]آل عمران/ ٦١.
[٤]نهج البلاغة: ١٨٦ الخطبة ١٢٨.
[٥]نهج البلاغة: ٣٠٠ الخطبة ١٩٢.