الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٨٩ - الواجب تعالى مريد، مدرك، سميع و بصير
و الإرادة الجازمة و الشوق و حركة العضلات، و لمّا استحال عليه تعالى الظنّ و الوهم، و كان الميل الزائد و الشوق من القوى الحيوانيّة لم يبق في حقّه سوى العلم، فتكون إرادته هي علمه بأنّ في الإيجاد أو الترك مصلحة. هذا عند المحقّقين.
و استدلّوا على ثبوت الإرادة له بهذا المعنى بأنّه تعالى خصّص أفعاله بوقت دون آخر، و بصفة دون أخرى مع تساوي الأوقات و الأحوال بالنسبة إليه و إلى القابل. فذلك المخصّص ليس القدرة الذاتيّة لتساوي نسبتها إلى الطرفين، و لا العلم المطلق لكونه تابعا للوقوع، و لا غير ذلك من الصفات، و هو ظاهر. فلم يبق إلّا العلم الخاصّ باشتمال ذلك الفعل على المصلحة، و هو المطلوب.
و أثبتت الأشاعرة له تعالى صفة قديمة مغايرة للعلم قائمة بذاته تعالى. و يبطله استحالة قديم سواه، و استحالة صفة زائدة له على ذاته.
و قالت المعتزلة: إنّه مريد بإرادة محدثة لا في محلّ[١]. و يبطل ذلك باستحالة عرض لا في محلّ ضرورة، و باستلزام التسلسل إذ كلّ حادث يستدعي سبقيّة إرادة فاعله المختار.
الثانية: كونه تعالى مدركا لقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٢].
تمدّح بكونه مدركا فيجب إثباته له.
الثالثة: كونه سميعا.
الرابعة: كونه بصيرا لقوله تعالى: وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً[٣].
إذا عرفت هذا فنقول: لا شكّ أنّ المراد بالإدراك في الاصطلاح العلميّ، هو اطّلاع الحيوان على الامور الخارجيّة بواسطة الحواسّ. و أنواعه خمسة: السّمع و البصر، و الشّمّ،
[١]اتّفق المسلمون على أنّه تعالى مريد، لكنّهم اختلفوا في معناه. فأبو الحسين جعله نفس الداعي، على معنى أنّ علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعية إلى الإيجاد هو المخصّص. و ذهبت الأشعريّة إلى إثبات أمر زائد على ذاته قديم، هو الإرادة. و قال أبو علي و أبو هاشم من المعتزلة: إنّ إرادته حادثة لا في محلّ. كشف المراد: ٢٢٣.
[٢]الأنعام/ ١٠٣.
[٣]النّساء/ ١٣٤.