الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٢٥ - رد من أنكر الحسن و القبح العقليين
و غيره، شرع في بيان الحاكم بهما.
و اعلم أنّ الحسن و القبح قد يكونان شرعيّين، و هو ظاهر لا خلاف فيه. و قد يكونان عقليّين. ثمّ العقليّان يقالان على ثلاثة معان:
الأوّل: الحسن ما كان صفة كمال كقولنا: العلم حسن. و القبيح ما كان صفة نقص كقولنا: الجهل قبيح.
الثاني: الحسن ما كان ملائما للطبع كالحلو من الطّعوم. و القبيح ما كان منافيا كالمرّ منها، و لا خلاف في كون هذين عقليّين.
الثالث: الحسن ما يستحقّ على فعله المدح عاجلا و الثواب آجلا، و القبيح ما يستحقّ على فعله الذمّ عاجلا و العقاب آجلا.
و اختلف في هذا، فقالت المجبّرة: هو شرعيّ أيضا. و قالت الفلاسفة و العدليّة- و هم المعتزلة و الإماميّة-: هو عقليّ. لكن عند العدليّة عقليّ بالعقل النظريّ، و عند الفلاسفة بالعقل العمليّ.
فقول المصنّف: «أنكرت المجبّرة و الفلاسفة» أراد أنّ المجبّرة أنكرت ذلك مطلقا و الفلاسفة بالعقل النظريّ. و المراد بالنظريّ ما كان متعلّقه ليس للقدرة الإنسانيّة فيه تصرّف، و بالعمليّ ما كان للقدرة الإنسانيّة فيه تصرّف، و به يتمّ نظام النوع.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ لأهل العدل على مطلوبهم دلائل كثيرة:
منها أنّهما لو كانا شرعيّين لما حكم بهما من لا يقول بالشرع كالبراهمة[١]. و اللازم كالملزوم في البطلان، أمّا اللازم فبطلانه ظاهر، فإنّ البراهمة يحكمون بالحسن و القبح بالمعنى المذكور. و أمّا بيان الملازمة فلانتفاء المعلول بانتفاء العلّة.
و منها أنّهما لو انتفيا عقلا انتفيا شرعا، و اللازم باطل إجماعا فكذا الملزوم.
و أمّا الملازمة فلأنّه إذا لم يحكم العقل بقبح الكذب مثلا لم يحكم بقبحه من الشارع،
[١]البراهمة: قوم لا يجوّزون على اللّه بعثة الرسل. و أكثر ما يوجدون في الهند. محيط المحيط: ٣٨.
و قيل: هم قوم من منكري الرسالة، و يعبدون مطلقا، لا من حيث نبيّ و رسول، بل يقولون: ما في الوجود شيء إلّا و هو مخلوق للّه تعالى. فهم معترفون بالوحدانيّة لكنّهم ينكرون الأنبياء و الرسل مطلقا. كشّاف اصطلاحات الفنون ١: ١٤٩.