الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٤٠ - التكليف و معناه و الغرض منه
لاستحقاق الثواب الدائم المشتمل على التعظيم و الإجلال، و الخلاص من العقاب المشتمل على الاستخفاف و الإهانة.
إن قلت: ذلك الغرض و تلك المصلحة الابتداء بهما من غير توسّط التكليف ممكن، فلا فائدة في توسّطه.
قلت: نمنع إمكان الابتداء بذلك في الحكمة لأنّ التعظيم اللازم للثواب لغير مستحقّه قبيح و لو فرض جوازه لكان تفضّلا و الاستحقاق له مزيّة. هذا مع أنّ التكليف يشتمل على مصالح اخر غير ذلك:
الأولى: رياضة النفس بامتثال الأوامر و النواهي، فتمسك عن إرسال عنان القوّة الشهوانيّة و الغضبيّة في ميدان مقتضياتهما، فيسلم للقوّة العقليّة صفاؤها عن المنافيات و الكدورات، فيحصل على أخلاق حميدة.
الثانية: أنّ امتثال الأوامر و النواهي تبعث النفس و تعوّدها و تمرّنها على النظر في الامور الإلهيّة و المقاصد العالية، و النظر في أحوال الذوات الشريفة، و التفكّر في ملكوت السماوات و الأرض، و كمال مبدعها و موجدها، و كيفيّة فيضان الموجودات عنه، فتحصل النفس على مرتبة لا توصف و علم لا ينزف.
الثالثة: أن امتثال الأوامر و النواهي ممّا يتمّ به نظام النوع الإنسانيّ، المقتضي ذلك للعدل، المقيم لحياة ذلك النوع. و ستسمع لهذا فضل بيان قريبا إن شاء اللّه.
الرابعة: أنّ التكليف واجب في الحكمة، و إلّا لزم الإغراء بالقبيح، و هو قبيح. بيان الملازمة أنّ خلق العبد مجبولا على الميل إلى القبيح و النفور عن الحسن- مع عدم زاجر له- إغراء ظاهر بالقبح، و قالت الأشاعرة بنفي ذلك، بناء على أصلهم الفاسد، و قد تقدّم بطلانه.
الخامسة: أنّه لمّا كان الغرض من التكليف امتثال العبد ما كلّف به، وجب كون المكلّف به على حال يمكن معها الامتثال، و إلّا لما تمّ الغرض، فيكون التكليف حينئذ قبيحا. و تلك الحال أن يكون ممكن الوقوع عقلا، فيدخل في ذلك أن يكون مقدورا مطاقا، و إلّا لكان ممتنع الوقوع. و أن لا يشتمل على مفسدة لأنّ تلك المفسدة تقتضي
الانوار الجلاليه ١٤١ التكليف و معناه و الغرض منه ..... ص : ١٣٨