الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٥٥ - شريعة نبينا صلى الله عليه و آله باقية ببقاء الدنيا
و على كلّ تقدير يجب التصديق بذلك كلّه.
و الثاني و هو المخالف للعقل فنقول: إذا تعارض العقل و النقل فلا يجوز العمل بهما و إلّا لزم الجمع بين النقيضين، و لا ترك العمل بهما و إلّا لارتفع النقيضان، و لا العمل بالنقل و اطراح العقل و إلّا لزم اطراح النقل أيضا لأنّ العقل أصل للنقل لأنّه منتة إلى قول الرسول الثابت صدقه بالعقل، فيكون أصلا له فلم يبق إلّا العكس، و هو العمل بالعقل. و أمّا النقل فلا يطرح بل للعلماء في ذلك مذهبان:
أحدهما: أن يتوقّف فيه إلى أن يظهر سرّه أو يفوّض علمه إلى اللّه تعالى.
و ثانيهما: أن يؤوّل تأويلا لا ينكره العقل، كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[١] فإنّ العقل يمنع ظاهر اليد لامتناع الحاسّة عليه تعالى، و الغرض أنّ النقل صحيح فحملنا اليد على القدرة، و ذلك لا ينكره العقل.
[شريعة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله ناسخة لجميع الشرائع]
الثالثة: أنّ شريعة نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و آله ناسخة لجميع ما تقدّمها من الشرائع. و النّسخ هو رفع حكم شرعيّ بدليل آخر شرعيّ متراخ عنه، على وجه لو لا الثاني لبقي الأوّل. و ذلك جائز عقلا لأنّ الأحكام شرّعت لمصلحة العبيد، و المصلحة قد تتغيّر فيتغيّر الحكم التابع لها، كالمريض الذي تتغيّر معالجته بحسب تغيّر الأمراض المعتورة عليه. و واقع نقلا، فإنّ الشرائع تشتمل على أحكام كثيرة فيها ناسخ و منسوخ. هذا و قد جاء في التوراة أحكام كثيرة دخلها النّسخ يطول الكلام بذكرها، فبطل قول اليهود لعنهم اللّه بعدم جوازه. و مع ذلك كلّه لمّا ثبتت نبوّة محمّد صلى اللّه عليه و آله بالأدلّة المذكورة و لا شكّ أنّ ذلك يستلزم نسخ جميع ما تقدّمها فيكون كذلك، و هو المطلوب.
[شريعة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله باقية ببقاء الدنيا]
الرابعة: أنّ شريعة نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و آله باقية ببقاء الدنيا لا يتطرّق النسخ إلى جملتها بشريعة غيرها لقوله تعالى: وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ[٢].
و قوله صلى اللّه عليه و آله: «لا نبيّ بعدي»[٣]. و لإجماع المسلمين على ذلك.
[١]الفتح/ ١٠.
[٢]الاحزاب/ ٤٠.
[٣]الطرائف لابن طاوس: ٥١، ذيل إحقاق الحقّ ٥: ١٥٧، مسند أحمد ٣: ٣٢، و ج ٦: ٣٦٩، ٤٣٨، مجمع الزوائد ٩:
١٠٩، ١١٠.