الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٣٦ - إن الله لا يفعل القبيح و لا يريده
أمّا الفقهاء فلأنّهم يذكرون للأحكام الشرعيّة عللا و أغراضا مناسبة لها، ككون القصاص للانزجار عن القتل[١] و تحريم المسكر تحصينا للعقل[٢]، إلى غير ذلك من الأغراض[٣].
و أمّا الحكماء فإنّهم قالوا: كلّ حادث لا بدّ له من علل أربع: الفاعل، و المادّة، و الصورة، و الغاية. و الغاية هي الغرض[٤]. ثمّ الذي يدلّ على بطلان قولهم أيضا أنّ الفعل الخالي عن الغرض عبث و العبث قبيح لاستحقاق الذمّ عليه، و البارئ سبحانه منزّه عن القبيح كما تقدّم، و أيضا دلالة القرآن كقوله: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ[٥]. وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا[٦]. وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٧].
الثالثة: أنّه لمّا ثبت كونه تعالى كاملا مطلقا مستغنيا في ذاته و صفاته استحال عود الغرض إليه، و إلّا لكان ناقصا مستكملا بذلك الغرض. بل الغرض إمّا كماليّة الفعل كما قلناه، أو كونه عائدا إلى العبيد لا إليه تعالى.
الرابعة: لمّا ثبت أنّ أفعاله تعالى لمصالح عبيده لزم ذلك- بطريق[٨] النقيض- أنّ كلّ ما ليس فيه مصلحة لعبيده فليس صادرا منه تعالى، بل من غيره.
[إنّ اللّه لا يفعل القبيح و لا يريده]
قال: تبصرة- قد بيّنّا حقيقة إرادته تعالى لأفعال نفسه، و أمّا إرادته لأفعال عبيده فهو أمرهم بها. و الأمر بالقبيح يتضمّن الفساد، فلا يأمر به. و بيّنّا أنّه لا يفعل القبيح
[١]علل الشرائع: ٤٧٨.
[٢]علل الشرائع: ٤٧٥، المبسوط للطوسيّ ٨: ٥٧.
[٣]إنّ فقهاءنا العظام ذكروا للأحكام الشرعيّة عللا و أغراضا يجمعها أنّ الأوامر الشرعيّة و النواهي ناشئتان من المصلحة و المفسدة، و الأصل في هذا، الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السّلام، منها: ما ورد عن أمير المؤمنين و زوجته سيّدة نساء العالمين عليهما السّلام. نهج البلاغة: ١٢٥ الحكمة ٢٥٢، الاحتجاج للطبرسيّ ١: ٧٩.
[٤]النجاة من الغرق في بحر الضلالات: ٥١٨، التحصيل لبهمنيار: ٥١٩.
[٥]المؤمنون/ ١١٥.
[٦]ص/ ٢٧.
[٧]الذاريات/ ٥٦.
[٨]«ح» «ن» «خ» بزيادة: عكس.