الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٥٢ - الوجود ضروري
و لظهورها حذفها.
و أمّا الكبرى فلأنّا نحكم بأنّ كلّ ما ادرك بالحسّ فهو موجود و ذلك لأنّ ما لا وجود له لا يدركه الحسّ، لأنّه حينئذ معدوم. و الحسّ إنّما يدرك ما يقابله أو يلاقيه، و لا مقابلة و لا ملاقاة بين الموجود و المعدوم. و إذا صدق أنّ كلّ ما لا وجود له لا يدركه الحسّ انعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كلّ ما ادرك بالحسّ فهو موجود. و الحكم بالوجود على المدرك بالحسّ بدون تصوّر الوجود محال، فثبت أنّ المدرك منّا لهذه الأشياء مدرك لوجودها بالضرورة، و وجودها هو الوجود المطلق مع الإضافة إليها. و ضروريّة المجموع تستلزم ضروريّة أجزائه، إذ لو كان الجزء مفتقرا إلى الكسب لافتقر المجموع إلى الكسب لأنّ المفتقر إلى المفتقر إلى الشيء مفتقر إلى ذلك الشيء، فثبت أنّ الوجود المطلق موجود[١] بالضرورة، و هو المطلوب. و هنا فائدتان:
الأولى: إنّما قلنا في التقرير: إنّا ندرك أشياء بواسطة الحسّ لأنّ الإدراك في اصطلاح الحكماء إنّما يطلق على ذلك، فإنّهم عرّفوه بأنّه: اطّلاع الحيوان على الامور الخارجيّة بواسطة الحواسّ.
الثّانية: ينبغي أن يقرأ قوله: «كلّ مدرك موجود» بفتح الراء على صيغة المفعول لا بكسرها، و من قرأها كذلك فقد غلط. و رأيت بعض المعاصرين يقرأها كذلك، و يقرّر البحث أنّ من أدرك شيئا لا بدّ أن يدرك وجوده، أى وجود نفس المدرك بكسر الرّاء، و هو سهو.
أمّا أوّلا: فلأنّ كلّ أحد يدرك وجود نفسه، سواء كان مدركا لغيره أو لا.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الضمير يعود إلى الأقرب في وجوده، و ذلك هو «شيئا».
و أمّا ثالثا: فلأنّ الحامل لذلك القائل على هذا الغلط هو خوف انتقاض الكليّة القائلة: إنّ كلّ مدرك موجود. فإنّ المعدوم مدرك و ليس بموجود، و لم يدر أنّ الإدراك إنّما يطلق على الحسّيّ في اصطلاحهم، و هو يأبى تعلّقه بالمعدومات كما قرّرناه. و مع ذلك كلّه، فيما ذكره المصنّف نظر لأنّ قوله: كلّ من أدرك هذه الأشياء فهو مدرك لوجودها
[١]«م» «ح»: معلوم.