الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٠٧ - التوبة و أقسامها الزهد
الشّرك الخفيّ، و لا شيء أفسد للطالب من الشرك الخفيّ فإنّه مانع من السلوك، فإذا زال سهل. من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه[١].
[الثانية: إزالة العلائق و قطع الموانع]
الثانية: إزالة العلائق و قطع الموانع، و ذلك بامور:
[التوبة و أقسامها الزهد]
الأوّل: التوبة. و هي الرجوع عن المعصية التي هي ترك الواجب و فعل الحرام، سواء كانت قوليّة أو عمليّة أو فكريّة أو خياليّة. و الضابط ما كان صادرا عن قدرة العبد. و أمّا ترك المندوب و فعل المكروه فذلك مرتبة أخرى هي بالمعصومين أنسب فإنّ علوّ مقامهم يقتضي ذلك. و أمّا السالك فتوبته عن التفاته إلى غير الحقّ الذي هو مقصده، فإنّه معصية عندهم لمنعه عن المقصد. فالتوبة حينئذ ثلاثة: عامّ للعبيد كلّهم، و هو الأوّل. و خاصّ بالمعصومين، و هو الثاني. و أخصّ من الخاصّ، و هو الثالث. و أمّا توبة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله فمن الثالث، و لذلك قال: «إنّه ليغان على قلبي، و إنّي لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرّة»[٢].
و من هذا القسم قيل: «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»[٣].
الثاني: الزهد. و إليه أشار المصنّف بقوله: «و لا يشغل عقله الذي ملكه ...» إلى آخره.
و الزاهد هو الذي لا يرغب في مطلوب يفارقه عند موته، و هو الحظوظ الدنيويّة كالمأكل و المشرب و الملابس و المناكح و الجاه و المال و الذّكر الحسن و القرب من الملوك، و غير ذلك من التكثّرات التي هي ملزومات العدم. و يكون ذلك منه لا للعجز و الجهل و غرض من الأغراض، و ذلك هو الزاهد في المشهور. و هو الذي يترك متاع الدنيا لمتاع آخر يستأجله. و في الحقيقة هو الذي لا يكون زهده المذكور للنجاة من النار و الفوز بالجنّة، بل يكون ذلك ملكة له تكبّرا على ما دون الحقّ و تقرّبا إلى رضاه. و تصير تلك الملكة صفة نفسانيّة تزجرها عن مشتهياتها و تروضها بالامور الشاقّة حتّى تصير راسخة فيها، كما قال وليّ اللّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «و أيم اللّه- يمينا أستثني فيها بمشيئة اللّه- لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، و تقنع بالملح
[١]هذه مضمون روايات، و للاطّلاع عليها ينظر: عيون أخبار الرضا ٢: ٦٩، عدّة الداعي: ٢١٨، الدرّ المنثور ٢: ٢٣٧، كنز العمّال ٣: ٢٤/ الحديث ٥٢٧١، بحار الأنوار ٧٠: ٢٤٢.
[٢]مستدرك الوسائل ١: ٣٨٧ الباب ٢٢ من أبواب الذكر/ الحديث ٢.
[٣]كشف الغمّة ٣: ٦٤، البحار ٢٥: ٢٠٤، سرّ العالمين، للغزاليّ: ١٨١، كشف الغمّة ٣: ٦٤، البحار ٢٥: ٢٠٥.