الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٥٦ - وجوب نصب الإمام على الله
الخامسة: أنّه يجب الانقياد و الامتثال لشريعته صلى اللّه عليه و آله لقوله تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[١]. و ذلك عامّ بالنسبة إلى كلّ الأشخاص الإنسانيّة، لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً[٢].
قال: أصل- لمّا أمكن وقوع الشرّ و الفساد و ارتكاب المعاصي بين الخلق، وجب في الحكمة وجود رئيس قاهر، آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، مبيّن لما خفي على الأمّة من غوامض الشرع، منفّذ لأحكامه ليكونوا إلى الصلاح أقرب و من الفساد أبعد، و يأمنوا من وقوع الفتن، فكان وجوده لطفا. و قد ثبت أنّ اللطف واجب عليه تعالى، و هذا اللطف يسمّى إمامة، فتكون الإمامة واجبة.
أقول: لمّا فرغ من بحث النبوّة شرع في بحث الإمامة، و لمّا كان التصديق بشيء مسبوقا بتصوّره وجب تعريف الإمام أوّلا ثمّ النظر في أحكامها، فنقول:
[تعريف الإمامة]
الإمامة: رئاسة عامّة في امور الدين و الدنيا لشخص إنسانيّ على وجه التّبع و الخلافة. فالرئاسة جنس قريب لها، و تقييدها بالعموم فصل يخرج به رئاسة القضاة و الولاة في بلد خاصّ أو حال خاصّ، و قولنا: «في امور الدين» خرجت رئاسة ملك عمّت رئاسته الدنيا خاصّة، و قولنا: «و الدنيا» خرج رئاسة العلماء، و قولنا: «لشخص إنسانيّ» التنوين فيه للوحدة، ففيه إشارة إلى وجوب وحدة الإمام في كلّ عصر، و أنّه شخص معهود معيّن لا أيّ شخص كان، و قولنا: «على وجه التبع و الخلافة» لتخرج النبوّة فإنّها أيضا رئاسة عامّة على الوجه المذكور، فلا بدّ من فصل يخرجها.
[وجوب نصب الإمام على اللّه]
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الناس اختلفوا في وجوب نصب الإمام، فأنكره بعض الخوارج[٣]، و قال بوجوبها أكثر الناس. ثمّ اختلف القائلون بوجوبها في أنّه هل هو عقليّ أو
[١]النساء/ ٦٥.
[٢]سبأ/ ٢٨.
[٣]قالت النجديّة من الخوارج: إنّ الأمّة غير محتاجة إلى الإمام و لا غيره، و إنّما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم. و هم أصحاب نجدة بن عامر الحنفيّ. فرق الشيعة للنوبختيّ: ١٠، مقالات الإسلاميّين ١: ١٦٢، الملل و النحل ١: ١١٢.