الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١١٠ - التفكر
دائما لئلّا يقدم على معصية تشغله عن سلوك طريق الحقّ.
[التقوى]
السادس: التقوى. و هو اجتناب المعاصي حذرا من سخط اللّه و البعد عنه. كما يجتنب طالب الصحّة كلّ ما يضرّه و يزيد به مرضه ليتمكّن من العلاج، كذلك السالك يجتنب كلّ مناف للكمال و كلّ مانع من الوصول إليه لئلّا يشغله عن سلوك طريق الحقّ.
و في الحقيقة تركّب التقوى من ثلاثة: أحدها: الخوف. و ثانيها: التحاشي عن المعاصي.
و ثالثها: طلب القرب من الربّ تعالى.
قال: و يوجّه همّته بكلّيّتها إلى عالم القدس، و يقصر أمنيّته على نيل محلّ الرّوح و الانس، و يسأل بالخضوع و الابتهال من حضرة ذي الجلال الذي من شأنه الجود و الإفضال، أن يفتح على قلبه باب خزانة رحمته، و ينوّره بنور الهداية الذي وعده بعد مجاهدته، ليشاهد الأسرار الملكوتيّة و الآثار الجبروتيّة، و يكشف في باطنه الحقائق الغيبيّة و الدقائق الفيضيّة.
أقول: هذا إشارة إلى ما يلحق السالك في أثناء حركته و بعدها. و نحن نورد ذلك متمّمين للفوائد التي وعدنا بها فنقول:
[الثالثة: فيما يلحق السالك في سلوكه]
الثالثة: فيما يلحق السالك في سلوكه، و هو امور:
[الخلوة]
الأوّل: الخلوة. و هي عزلة السالك عن جميع الموانع المتقدّمة، فيختار موضعا لم يكن فيه مشغل له من المحسوسات الظاهرة و الباطنة، و يجعل القوى الحيوانيّة مرتاضة لئلّا تجذب النفس إلى ملائماتها، و يعرض بالكلّيّة عن الأفكار المجازيّة التي ترجع غايتها إلى مصالح المعاش و المعاد. و مصالح المعاش هي الامور الفانية، و المعاد هي امور ترجع غاياتها إلى اللذّات الباقية. أمّا السالك فيجب عليه بعد إزالة الموانع الظاهرة و الباطنة إخلاء باطنه عن الاشتغال بما سوى الحقّ، و أن يقبل بهمّته و جوامع نيّته إلى الحقّ، مترصّدا للسوانح الغيبيّة، و مترقّبا للواردات الحقيقيّة ليحصل له مضمون ما وعده بعد مجاهدته: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[١]. و يسمّى ذلك تفكّرا.
[التفكّر]
الثاني: التفكّر المشار إليه. و هو سير باطن الإنسان من المبادي إلى المقاصد. كذا
[١]العنكبوت/ ٦٩.