الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٣ - الإحباط و الموازنة و بطلانهما
قال بعض الفضلاء المعاصرين هنا: لو قال المصنّف: أمكن بالإمكان الخاصّ، كان أولى لأنّ العفو جائز لا واجب، و المناسب للجواز هو الإمكان الخاصّ أي الذي ليس بضروريّ الوجود و لا العدم.
قلت: العفو و إن كان جائزا في الأصل لكن قد يلحقه الوجوب لوجهين:
الأوّل: أنّ من أسمائه تعالى العفوّ الغفور، و لا يتحقّق معناهما إلّا بالعفو عن العاصي، خرج الكافر بالإجماع فبقي ما عداه، و هو المطلوب.
الثاني: ما أشار إليه المصنّف، و هو أنّه تعالى وعد بالعفو، و خلف الوعد قبيح فيكون الوفاء واجبا، فعلى هذين يكون إيراد الإمكان العامّ أولى.
و إن كان الثاني أو إنّه لم يعف عن القسم الأوّل، فلا يخلو إمّا أن يسقط أحد الاستحقاقين بالآخر أو لا. و الثاني إمّا أن يثاب ثمّ يعاقب أو بالعكس، أي يعاقب ثمّ يثاب. فالأقسام ثلاثة: فالأوّل هو الإحباط[١]، و يجيء بيان بطلانه. و الثاني أيضا باطل لأنّ الإجماع حاصل على أنّ من دخل الجنّة لا يخرج منها، فتعيّن الثالث، فيكون عقابه منقطعا و هو المطلوب.
و ورد في النقل صحّة ذلك كقوله صلى اللّه عليه و آله: «يخرجون من النار و هم كالحمم أو الفحم، فيراهم أهل الجنّة فيقولون: هؤلاء جهنّميّون! فيؤمر بهم فيغمسون في عين الحيوان، فيخرجون و وجوههم كالبدر»[٢].
[الإحباط و الموازنة و بطلانهما]
قال: حلّ شكّ- المذهب الأوّل و هو إسقاط أحد الاستحقاقين بالآخر مذهب الوعيديّة، و هم لا يجوّزون العفو إلّا في الصغائر. فمذهب أبي عليّ[٣] أنّ الاستحقاق
[١]الإحباط هو خروج فاعل الطاعة عن استحقاق المدح و الثواب إلى استحقاق الذمّ و العقاب، و التكفير هو خروج فاعل المعصية عن استحقاق الذمّ و العقاب إلى استحقاق المدح و الثواب. إرشاد الطالبين: ٤٢١.
و الاحباط في اصطلاح المتكلّمين: خروج الثواب و المدح اللّذين يستحقّهما العبد المطيع عن كونهما مستحقّين بذمّ و عقاب أكبر منهما لفاعل الطاعة. هامش أوائل المقالات: ٩٩.
[٢]بهذا المضمون ينظر: مسند أحمد ٣: ٧٧، ٩٠، ٩٤، ١٢٥، ١٨٣، ٣٩١. و من طريق الخاصّة، ينظر: البحار ٨: ٣٦١.
[٣]محمّد بن عبد الوهّاب بن سلام الجبائيّ، أبو عليّ. من أئمّة المعتزلة و رئيس علماء الكلام في عصره، و إليه نسبة الطائفة الجبائيّة. مات سنة ٣٠٣، العبر ١: ٤٤٥، شذرات الذهب ٢: ٢٤١، الأعلام للزركليّ ٦: ٢٥٦.