الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٣٧ - إن الله لا يفعل القبيح و لا يريده
فلا يرضى به لأنّ الرضا به قبيح كفعله.
أقول: ذهب أبو الحسين البصريّ إلى أنّ إرادته تعالى هي علمه باشتمال الفعل على المصلحة، فإن كان من أفعال نفسه فعله، و إلّا أمر به فالأمر عنده ملزوم الإرادة و مشروط بها.
و قال أبو القاسم البلخيّ[١]: إرادته لفعل نفسه كما تقدّم، و لفعل غيره: أمره به، فالأمر عنده إرادة[٢]. إذا تقرّر هذا فهنا مسألتان:
الأولى: أنّه لا يأمر بالقبيح لأنّ الأمر إمّا نفس الإرادة أو مشروط بها و على التقديرين إرادة القبيح عليه تعالى محال. أمّا أوّلا فلأنّ القبيح لا مصلحة فيه، فلا تتعلّق به الإرادة، و أمّا ثانيا فلأنّ الأمر بالقبيح و إرادته يشتملان على فساد ناش من وقوع القبيح أو مشارفته، و قد تقدّم نفي الفساد عنه تعالى.
الثانية: أنّه تعالى لا يرضى بالقبيح، و هو اتّفاق منّا و من الأشاعرة فإنّ الرضا بالقبيح قبيح كفعله، لأنّ العقلاء كما يذمّون فاعله يذمّون الراضي به، و لقوله تعالى: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ[٣].
و اعلم أنّ الأشاعرة و إن وافقونا في عدم الرضا بالقبيح فقد خالفوا في عدم إرادته، فإنّه عندهم مراد لكونه كائنا و اللّه سبحانه مريد لجميع الكائنات عندهم، لأنّه فاعل لكلّها فهو مريد لها. و ذلك لأنّهم جعلوا الرضا أمرا غير الإرادة، و ضرورة العقل تمنع المغايرة، و تحقيق ذلك في المطوّلات[٤].
[١]أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخيّ و يعرف بالكعبيّ. عالم، متكلّم، رئيس أهل زمانه. له من الكتب:
كتاب المقالات و عيون المسائل و الجوابات، و الغرر و النوادر. مات في سنة ٣٠٩ ه. الفهرست لابن النديم: ٢١٩.
[٢]اختلفوا في معنى إرادته تعالى، بعد اتّفاقهم على أنّه مريد. فذهبت الأشاعرة إلى أنّها مغايرة للعلم و القدرة و سائر الصفات. و ذهب المحقّق الطوسيّ و جماعة من رؤساء المعتزلة كأبي الحسين البصريّ و أبي القاسم البلخيّ و محمود الخوارزميّ إلى أنّها هي العلم بالنفع، و يسمّى بالدواعي. شرح تجريد العقائد للقوشجيّ: ٣١٥.
[٣]الزمر/ ٧.
[٤]اعلم أنّ الأشاعرة لمّا قالوا بأنّ إرادة اللّه تعالى غير علمه و رضاه، فيمكن منهم القول بالانفكاك بين الرضا بالشيء و الأمر به لأنّ الرضا بالشيء غير الأمر به. فعلى هذا المبنى قالوا: إنّ اللّه تعالى و إن لم يرض بالقبيح و لكنّه يمكن أن يريد القبيح لأنّ إرادته متعلّقة بكلّ كائن: فهو يريد من الكافر الكفر، و من الفاسق الفسق. و الإماميّة و المعتزلة لمّا قالوا بأنّ