الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٥٧ - وجوب نصب الإمام على الله
سمعيّ؟ فقال الأشاعرة و أكثر المعتزلة بالثاني، و قال أبو الحسين البصريّ و الكعبيّ[١] و الجاحظ[٢] و أصحابنا بالأوّل[٣]، لكنّ أصحابنا قالوا: «على اللّه»، أي يجب في حكمته تعالى نصب رئيس لنا، و اولئك قالوا: «على الخلق». أي يجب على الخلق نصب رئيس لدفع الضرر عنهم[٤].
و الدليل على مذهب أصحابنا أنّ نصب الإمام لطف للمكلّفين، و اللطف واجب على اللّه تعالى، فنصب الإمام واجب عليه، أمّا الكبرى فقد سبقت، و أمّا الصغرى فلوجهين:
الأوّل: أنّه لما استولى سلطان الشهوة و الغضب على المكلّفين و محبّة كلّ منهم لحصول مراده و كراهته لفواته و ميل الطباع إلى الظلم و نفورها عن الانظلام، أمكن وقوع الشرّ و الفساد بينهم، فيستولى بعضهم على بعض و يقع الهرج و المرج المؤدّيان إلى هلاكهم. و قد علم كلّ عاقل نزع الهوى عن قلبه علما تجربيّا أنّه متى كان رئيس قاهر آمر بالمعروف و ناه عن المنكر آخذ على أيدي الجناة حاسم لجرأة الطغاة، ارتفع ذلك الشرّ و الفساد، و كانوا إلى الصلاح أقرب و من الفساد أبعد، و ذلك هو المراد باللطف كما مرّ فيجب وجوده في الحكمة، و هو المطلوب.
الثاني: أنّه قد تقدّم وجوب وجود شريعة قائمة بالعدل بين الخلق في سائر ما يحتاجون إليه، و ظاهر بيّن أنّ الكتاب العزيز غير مشتمل على كلّ حكم جزئيّ يحتاج إليه و كذلك متواتر السنّة، فوجب وجود شخص حافظ لجزئيّات الأحكام، مبيّن لغوامض
[١]عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبيّ، من بني كعب، البلخيّ الخراسانيّ، أبو القاسم. أحد أئمّة المعتزلة. و كان رأس طائفة منهم تسمّى الكعبيّة. له كتب، منها: التفسير. تاريخ بغداد ٩: ٣٨٤، الأعلام للزركليّ ٤: ٦٥.
[٢]عمرو بن بحر بن محبوب الكنانيّ، أبو عثمان، الشهير بال «جاحظ». كبير أئمّة الأدب، و رئيس الفرقة الجاحظيّة من المعتزلة. له كتب كثيرة. تاريخ بغداد ١٢: ٢١٢، الأعلام للزركليّ ٥: ٧٤.
[٣]قالت الأشاعرة بوجوب نصب الإمام، و الطريق إلى معرفة هذا الوجوب السمع دون العقل. قال التفتازانيّ: نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوّة واجب علينا سمعا عند أهل السنّة و عامّة المعتزلة، و عقلا عند الجاحظ و الكعبيّ و أبي الحسين البصريّ. الأربعين للرازيّ: ٤٢٧، شرح المقاصد: ٢٧٣، شرح تجريد العقائد للقوشجيّ: ٣٦٥.
[٤]بعض المعتزلة و إن وافقونا في وجوب نصب الإمام عقلا، و لكن خالفونا في أنّه هل يجب على اللّه أو على العقلاء؟ فقالت المعتزلة بالثاني. و قالت الإماميّة بالأوّل، و استدلّوا عليه بأنّ الإمام لطف، و اللطف واجب عليه تعالى عقلا، فيجب عليه نصب الإمام. الذخيرة في علم الكلام: ٤١٠، تلخيص الشافي ١: ٩٥، قواعد العقائد للمحقّق الطوسيّ: ٣٥، كشف المراد: ٢٨٤.