الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١١١ - الخوف و الحزن
عرّف معنى الفكر في اصطلاح العلماء، و هو الحركة من المطالب إلى المبادي ثمّ الرجوع من المبادي إلى المطالب. و لا يمكن أن يصل من مرتبة النقصان إلى الكمال إلّا بالسير، و لذلك كان النظر أوّل الواجبات، و جاء الحثّ عليه في التنزيل و الحديث[١]. و مبادي السير التي منها ابتداء الحركة هي الآفاق و الأنفس. و السير هو الاستدلال من آياتهما، و هي الحكم المودعة في كلّ ذرّة من ذرّات هذين الكونين الدالّ على عظمة المبدع و كماله. و يظهر ذلك لمن نظر في تشريح العالمين: الآفاقيّ و الأنفسيّ، و الفلكيّ و العنصريّ، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ[٢].
ثم يستشهد من حضرة جلاله على كلّ ما سواه من مبدعاته، كما قال اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[٣].
[الخوف و الحزن]
الثالث: الخوف و الحزن. قال العلماء: الحزن على ما فات، و الخوف على ما لم يأت.
فالحزن تألّم الباطن بسبب وقوع مكروه يتعذّر دفعه أو فوات فرصة أو أمر مرغوب فيه يتعذّر تلافيه. و الخوف تألّم الباطن بسبب وقوع مكروه يمكن حصول أسبابه أو توقّع فوات مرغوب يتعذّر تلافيه. و لا يخلوان من فائدة في باب السلوك فإنّ الحزن إذا كان سببه ارتكاب المعاصي أو فوات مدّة (عاطلة عن العبادة)[٤] أو عن ترك السير في الطريق إلى الكمال صار باعثا له على تصميم العزم على التوبة. و الخوف إن كان سببه ارتكاب المعاصي فيه و نقصانه و عدم وصوله إلى درجة الأبرار صار موجبا لاجتهاده في اكتساب
[١]حثّ الكتاب العزيز على النظر و التدبّر في آيات اللّه بتعابير مختلفة، فتارة أمر بالنظر إلى ملكوت السماوات و الأرض (الأعراف/ ١٨٥)، و أخرى بالنظر إلى بعض الموجودات كالإبل و السماء، (الغاشية: ١٧). و ثالثة بالنظر إلى أنفسهم. (الروم/ ٨).
كما جاء الحثّ الأكيد في السّنّة أيضا على التفكّر، و أنّه أفضل العبادة، منها:
قال عليّ عليه السّلام: «لا عبادة كالتفكّر في صنعة اللّه عزّ و جلّ». أمالي الطوسيّ: ١٤٦/ الحديث ٢٤٠، البحار ٧١: ٣٢٤، سفينة البحار ٢: ٣٨٢.
و قال الإمام الرضا عليه السّلام: «ليس العبادة كثرة الصيام و الصلاة، إنّما العبادة كثرة التفكّر في أمر اللّه». الكافي ٢: ٥٥/ الحديث ٤، سفينة البحار ٢: ٣٨٢.
[٢]فصّلت/ ٥٣.
[٣]فصّلت/ ٥٣.
[٤]«م»: صالحة للعبادة.