الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٩١ - الواجب تعالى مريد، مدرك، سميع و بصير
في جهة. أمّا الصغرى فلما تقدّم، و أمّا الكبرى فلأنّ ما في الجهة إمّا منتقل فيكون متحرّكا، أو غير منتقل فيكون ساكنا. و الحركة و السكون حادثان لاستدعائهما المسبوقيّة بالغير لأنّ الحركة هي الحصول في المكان الثاني، فهو مسبوق بالمكان الأوّل. و السكون هو الحصول الثاني في المكان، فهو مسبوق بالحصول الأوّل. فكلّ ما في الجهة مسبوق بالغير، و كلّ مسبوق بالغير محدث، فكلّ ما في الجهة محدث.
الثانية: أنّه لا يدرك بآلة جسمانيّة لأنّه لا يدرك بالآلة الجسمانيّة إلّا ما كان ملاقيا أو مقابلا لها أو في حكمه. و لمّا كانت الآلة الجسمانيّة في الجهة وجب أن يكون مقابلها كذلك، فيصدق قياس هكذا: كلّ مدرك بآلة جسمانيّة في جهة، و لا شيء من الواجب في جهة، فلا شيء من المدرك بآلة جسمانيّة بواجب. و ينعكس بالمستوي إلى قولنا: لا شيء من الواجب بمدرك بآلة جسمانيّة- و المقدّمتان سبق تقريرهما- فتصدق النتيجة، و هو المطلوب.
الثالثة: أنّه لا يدرك بالبصر. و هذه المسألة ممّا وقع فيها التشاجر بين المتكلّمين، فقالت المجسّمة[١]: إنّه مدرك بالبصر لكونه جسما عندهم.
و قالت المعتزلة و الإماميّة[٢]: إنّه غير مدرك بالبصر لكونه مجرّدا عندهم.
و قالت الأشاعرة: إنّه مدرك بالبصر. مع كونه مجرّدا عندهم، فقد خالفوا جميع العقلاء[٣]. و قد أشار المصنّف إلى دليل المعتزلة و أصحابنا بما تقريره: إنّ كلّ مدرك بالبصر فهو في جهة، و لا شيء من الواجب في جهة، فلا شيء من الواجب بمدرك بالبصر.
و المقدّمتان سبق بيانهما.
[١]المجسّمة اسم يطلق على عامّة الفرق التي قالت بتجسيم اللّه تعالى. و زيدة كلامهم أنّهم يشبّهون اللّه بخلقه و يثبتون له مكانا. و هم فرق، منهم الكراميّة. مقالات الإسلاميّين ١: ٢٥٧، الملل و النحل ١: ٩٦، موسوعة الفرق الإسلاميّة: ٤٤٩.
[٢]الإماميّة: هم القائلون بإمامة علي عليه السلام بعد النبي صلى اللّه عليه و آله نصّا ظاهرا و تعيينا صادقا، من غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين. و قد عيّن النّبي صلى اللّه عليه و آله عليّا في مواضع تعريضا و في مواضع تصريحا. مقالات الإسلاميّين ١:
٨٧، الملل و النحل ١: ١٤٤.
[٣]اعلم أنّ أكثر العقلاء ذهبوا إلى امتناع رؤيته تعالى. و المجسّمة جوّزوا رؤيته لاعتقادهم أنّه تعالى جسم، و لو اعتقدوا تجرّده لم يجوّزوا رؤيته. و الأشاعرة خالفوا العقلاء كافّة هنا، و زعموا أنّه تعالى مع تجرّده يصحّ رؤيته. و الدليل على امتناع الرؤية أنّ وجوب الوجود يقتضي تجرّده و نفي الجهة و الحيّز عنه، فينتفي الرؤية عنه. كشف المراد: ٢٣٠.