الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٩٠ - الواجب تعالى مريد، مدرك، سميع و بصير
و الذّوق، و اللّمس. و المراد بالسمع هو إدراك الأصوات و الحروف بالقوّة المودعة في الصّماخ، الذي هو العصب المفروش داخل الاذن. و المراد بالإبصار هو إدراك الألوان و الأضواء بالذات و غيرهما بواسطتهما بالقوّة المودعة في العين، أو بالانطباع، أو بخروج الشعاع. و المراد بالشمّ هو إدراك الروائح بالقوّة المودعة في الحلمتين النابتتين في مقدّم الدّماغ. و المراد بالذوق هو إدراك الطعوم بالقوّة المودعة في سطح اللسان بتوسّط الرطوبة اللعابيّة. و المراد باللمس هو إدراك الكيفيّات الأربع و توابعها بقوّة منبثّة في البدن كلّه. فقد ظهر توقّف هذه الإدراكات على الحواسّ. و حيث ورد النقل الشريف بوصفه بالإدراك استحال حمله على هذه المعاني لاستحالة الحواسّ عليه تعالى. فوجب حمله على غير ذلك لما تقرّر أنّه مع معارضة العقل النقل يجب تأويل النقل بما يطابق العقل، فحملنا ذلك على العلم مجازا، تسمية للمسبّب- الذي هو العلم- باسم سببه- الذي هو الإدراك- لأنّ الحواسّ مبادي اقتناص العلوم الكلّيّة. فمن فقد حسّا فقد فقد علما فلذلك فسّرنا كونه مدركا بأنّه عالم بالمدركات، و كونه سميعا بأنّه عالم بالمسموعات، و كونه بصيرا بأنّه عالم بالمبصرات. و دليل ذلك كلّه كونه عالما بكلّ معلوم الذي هذه المدركات من جملتها، فيكون عالما بها و هو المطلوب.
قال: أصل- كلّ ما في الجهة محدث، و الواجب ليس بمحدث، فلا يكون في جهة. و إذا لم يكن في جهة لم يكن إدراكه بآلة جسمانيّة لأنّه لا يدرك بها إلّا ما كان في جهة قابلا للإشارة الحسّيّة. و يعلم من ذلك أنّه لا يرى بحاسّة البصر لأنّ الرؤية بها لا تعقل إلّا مع المقابلة و هي لا تصحّ إلّا في شيئين حاصلين في الجهة، فكلّ ما ورد ممّا ظاهره الرؤية اريد به الكشف التامّ.
أقول: يشير في هذا الأصل إلى ثلاث صفات سلبيّة، كلّ واحدة منها مترتّبة على ما سبقها، و السابق منها علّة و دليل على اللاحق.
الأولى: كونه ليس في جهة. و المراد بالجهة هو مقصد المتحرّك و متعلّق الإشارة.
و الدليل على هذه الدعوى قياس من الشكل الثاني.
تقريره: الواجب ليس بمحدث، و كلّ ما في الجهة محدث. ينتج: أنّ الواجب ليس