الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٤ - مقدمة المؤلف
محمّد بن الحسن الطوسيّ- قدّس اللّه نفسه و طهّر رمسه- في وريقات و إن كانت قليلة فهي في الفوائد جليلة، و ألفاظ و إن كانت يسيرة فهي في العوائد كثيرة، و سمّاها ب «الفصول في الأصول» و لكونها باللغة الفارسيّة ألف بدرها الافول فلم تبزغ في أكثر الآفاق، و لتراكم سحاب عجمتها لم تطلع شمسها بالعراق. و لمّا عرج إلى ساحة الغفران و انتقل إلى مقيل الرضوان استمرّت على ذلك برهة من الزمان، إلى أن اتّفق للمولى المعظّم العلّامة السعيد و الجدّ الحميد ركن الملّة و الدين محمّد بن علي الجرجانيّ محتدا، و الأسترآباديّ منشأ و مولدا- قدّس اللّه روحه و نوّر ضريحه- الاستضاءة بأشعّة أنوارها، و العثور على فوائدها و أسرارها، فكساها من رياش لباس العربيّة ما صارت به شمسها في رائعة النهار، و انجلى عن بدرها الآفل في منازل السير عائق الاستتار، فعوّل عليها معظم الطلّاب، و رغّب في تقرير مباحثها جماعة من الأصحاب لكنّها لاشتمالها على مباحث مستغلق على كثير من الطلّاب بابها، و توجيهات مرتتق على جمّ غفير من العلماء حجابها، دعاني إلى اقتناء الفضيلة و تحصيل الثواب داعي الشوق و إن كان قد شبّ عمري عن الطوق، فوعدت بعض الفضلاء الأذكياء الألبّاء العلماء بشرحها، و إن كنت بعيدا عن دخول صرحها:
و أين الثّريّا من يد المتناول؟
و قد قيل في المثل السائر: المرء حرّ ما لم يعد. فلم يسعني بعد ذلك الاستكفاء و لم يمكنّي عن إنجاز وعده الاستعفاء، فوجّهت ركاب العزم إلى ذلك المرتقى المنيع «و قد يدرك الظالع[١] شأو[٢] الضليع[٣]» و شرحتها شرحا كشف عن وجوه فرائدها نقابها، و رفع عن مرتتق فوائدها حجابها، و ذلّل من حزون مصاعدها صعابها، و خدمت به عالي مجلس من خصّه اللّه بخصائص الكمال، و حباه بأشرف عنصر و أكرم آل، و جعله بحيث تتصاعد بتصاعد همّته العليا مراتب آبائه الأكرمين، و هو المولى السعيد السّيد النقيب الطاهر المرتضى الأعظم، مستخدم أصحاب الفضائل بفواضل النعم، و مستعبد أرباب المكارم بفائق مزيد الكرم، الذي تسنّم من الشرف صهوات مصاعده، و استعلى من خصائص المجد على أعلى معاقده، و أحرز بإيالته الشريفة قواعد الدين، و حفظ بجميل سيرته معاقل المؤمنين، ذاك شرف الإسلام و تاج المسلمين، بل ملك السّادات و النّقباء
[١]ظلع الرجل: غمز في مشيه، و هو شبيه بالعرج، و لهذا يقال: هو عرج يسير. المصباح المنير: ٣٨٥.
[٢]الشأو، وزان فلس: الغاية و الأمد. المصباح المنير: ٣٢٨.
[٣]رجل ضليع: قويّ، أضلع بهذا الأمر إذا قدر عليه، كأنّه قويت ضلوعه بحمله. المصباح المنير: ٣٦٣.