الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٧٨
قرب الله وقرب العبد:
فالأمر بابتغاء الوسيلة وقصدها معناه أن هناك بُعداً بين العبد وبين الله تعالى، وهو بُعد من جهة العبد فقط لا من طرف الباري عزّ وجلّ، لأن الله تعالى قريب أقرب إلى العباد من حبل الوريد، كما قال تعالى ذكره: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[١]، لكن العبد من طرفه يحتاج إلى الوسيلة لبُعده; لأن قرب الله تعالى إلى العبد ليس قرباً جسمانياً جغرافياً، لكي يكون هناك تلازم تضايفي بين العبد وربه في القرب والبُعد، وكذا ليس من نوع القرب العقلي أو الروحيّ ليحصل التجانس أو التماثل في القرب; وذلك لما تقدّم من كون الله تعالى منزّه عن التضايف والتقابل الجسماني أو العقلي أو الروحي، لأنه تشبيه باطل مناف لعظمة ذات الباري تعالى.
إذن القرب الإلهي تجاه العبد قرب القدرة والسلطنة والهيمنة والإحاطة، فالمقتدر والمهيمن والمحيط كلّما كانت قدرته، وهيمنته وإحاطته أشدّ كلّما كان أقرب من المحاط به، وعلى العكس يكون الطرف المقابل الضعيف، فهو يزداد ضعفاً كلّما كان طرفه المقابل أشدّ قوة واقتداراً، كذلك كلّما ازداد المهيمن إحاطة ازداد الطرف الآخر مُحاطيّة وبُعداً عن أن يحيط بالمحيط، فالقويّ قريب محيط والضعيف بعيد محاط، ويبعد كلّما ازداد القويّ قوّة وهيمنة; لأن الضعيف حينئذ بعيد من حيث افتقاده للصفات والكمالات اللاّمتناهية شدّة وعدّة، التي للقويّ المحيط.
والحاصل: إن هناك نمطاً من التعاكس في القرب والبُعد، فطرف يكون قريباً
[١] ق: ١٦.