الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٩٦
ووحشة وغربة وجوع وعطش بلا أنيس أو كفيل لتلك الذريّة الطاهرة سوى الله تعالى امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ; لغايتين إلهيتين شريفتين، اقتضتهما الحكمة الإلهية من ذلك الإسكان، إحداهما غاية متوسّطة والأخرى غاية قصوى ونهائية تترتب على إسكان الذريّة إلى جنب المسجد الحرام:
الغاية الأولى: قول إبراهيم (عليه السلام): {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاة}، والمراد من ذلك عمارة المسجد الحرام وتشييد معالم الدين وأركان التوحيد، وذلك بإقامة الصلاة والطواف والسعي وبقيّة مناسك الحجّ وكافّة العبادات وجميع الشعائر الإلهية، والصلاة إنما ذكرت في الآية المباركة مثالاً لهذه الغاية.
وحاصل هذه الغاية هو جعل المركزية للكعبة المشرّفة في التوجّه إلى الله تعالى لإقامة الدين ومناسك العبادة.
ولكن هذه الغاية غير كافية ولا مقبولة عند الله عزّ وجلّ ما لم تتحقّق الغاية النهائية، التي أراد الله تعالى تحقّقها من ذلك الإسكان.
الغاية الثانية: قول إبراهيم (عليه السلام): {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}[١] فإن الفاء في قوله (عليه السلام) {فَاجْعَلْ} للتفريع، وذلك لبيان أن لعمارة المسجد الحرام وإقامة الصلاة والحجّ وشعائر الدين غاية أخرى لابدّ من تحقّقها، وهي أن تهوى القلوب تلك الذريّة الطاهرة، التي أسكنها عند المسجد الحرام.
إذن لابدّ أن يكون التوجّه إلى الله تعالى في العبادات والشعائر الدينية بالكعبة المشرّفة، التي جعل إبراهيم (عليه السلام) لها المركزية والمحورية، بإسكان ذريّته فيها لإقام الصلاة، وكذا بالذريّة الطاهرة عن طريق هويّ القلب ومحبّتهم ومودّتهم
[١] إبراهيم: ٣٧.