مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٠ - ٤٧ سورة محمد
يجب الحزم في ساحة الحرب: إنّ الآيات السابقة كانت مقدمة لتهيئة المسلمين من أجل إصدار أمر حربي مهم ذكر في الآيات مورد البحث، فتقول الآية: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرّقَابِ».
من البديهي أنّ
«ضرب الرقاب»
كناية عن القتل، فإنّ الهدف هو دحر العدو والقضاء عليه، ولما كان ضرب الرقاب أوضح مصداق له، فقد أكّدت الآية عليه.
فإنّ هذا الحكم مرتبط بساحة القتال، لأنّ
«لقيتم»
- من مادة اللقاء- تعني الحرب والقتال في مثل هذه الموارد.
ثم تضيف الآية: «حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ».
«أثخنتموهم»: من مادة «ثخن»، بمعنى الغلظة والصلابة، ولهذا تطلق على النصر والغلبة الواضحة، والسيطرة الكاملة على العدو.
فإنّ الآية المذكورة تبيّن تعليماً عسكرياً دقيقاً، وهو أنّه يجب أن لا يُقدم على أسر الأسرى قبل تحطيم صفوف العدو والقضاء على آخر حصن لمقاومته، لأنّ الإقدام على الأسر قد يكون سبباً في تزلزل وضع المسلمين في الحرب، وسيعيق المسلمين الإهتمام بأمر الأسرى ونقلهم إلى خلف الجبهات عن أداء واجبهم الأساسي.
وتبيّن الجملة التالية حكم أسرى الحرب الذي يجب أن يقام بحقّهم بعد انتهاء الحرب، فتقول: «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً».
وعلى هذا لا يمكن قتل الأسير الحربي بعد انتهاء الحرب، بل إنّ ولي أمر المسلمين- طبقاً للمصلحة التي يراها- يطلق سراحهم مقابل عوض أحياناً، وبلا عوض أحياناً اخرى، وهذا العوض- في الحقيقة- نوع من الغرامة الحربية التي يجب أن يدفعها العدو.
طبعاً يوجد حكم ثالث في الإسلام فيما يتعلق بهذا الموضوع، وهو استعباد الأسرى، إلّا أنّه ليس أمراً واجباً، بل هو راجع إلى ولي أمر المسلمين ينفّذه عندما يراه ضرورة في ظروف خاصة، ولعلّه لم يرد في القرآن بصراحة لهذا السبب، بل بيّنته الرّوايات الإسلامية فقط.
ثم تضيف الآية بعد ذلك: «حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا». فلا تكفوا عن القتال حتى تحطّموا قوى العدو ويصبح عاجزاً عن مواجهتكم، وعندها سيخمد لهيب الحرب.
ثم تضيف الآية: «ذلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ». بالصواعق السماوية، والزلازل،