مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٩ - ٤٣ سورة الزخرف
حوادث الماضي والمستقبل، وكل الكتب السماوية، ولا يستطيع أي أحد أن يصل إليه ويعلم ما فيه، إلّاإذا أراد اللَّه سبحانه أن يُعلم أحداً بالمقدار الذي يريده عزّ وجل.
وهذا وصف عظيم للقرآن الذي ينبع من علم اللَّه اللامتناهي، وأصله وأساسه لديه سبحانه، ولهذا يقول في الصفة الثانية:
(لعليّ)
وفي الثالثة
(حكيم).
واعتبر البعض الآخر علوّ القرآن لاحتوائه على حقائق لا تدركها أفكار البشر، وهي بعيدة عن مدى ما تستوعبه عقولهم.
وفي
الآية التالية
يخاطب المنكرين للقرآن والمعرضين عنه فيقول: «أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذّكْرَ صَفْحًا أن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ».
صحيح أنّكم لم تألوا جهداً في مخالفتكم للحق وعدائه، إلّاأنّ رحمة اللَّه سبحانه واسعة بحدّ لا تشكل هذه الأعمال المناوئة حاجزاً في طريقها، ونظل ننزل باستمرار هذا الكتاب السماوي الذي يوقظكم، وآياته التي تبعث الحياة فيكم، حتى تهتزّ القلوب التي لها أدنى حظ من الإستعداد وتثوب إلى طريق الحق، وهذا هو مقام رحمة اللَّه العامة، أي: رحمانيته التي تشمل العدو والصديق، والمؤمن والكافر.
«الصفح»: في الأصل بمعنى جانب الشيء وطرفه، ويأتي أيضاً بمعنى العرض والسعة، وهو في الآية بالمعنى الأوّل. أي: أنحول عنكم هذا القرآن الذي هو أساس التذكرة إلى جانب وطرف آخر؟
«المسرف»: من الإسراف، وهو تجاوز الحدّ، إشارة إلى أنّ المشركين وأعداء النبي صلى الله عليه و آله لم يقفوا عند حدّ في خلافهم وعدائهم مطلقاً.
ثم يقول في عبارة قصيرة كشاهد على ما قيل، وتسليةً لخاطر النبي صلى الله عليه و آله وتهديداً للمنكرين المعاندين: «وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىّ فِى الْأَوَّلِينَ* وَمَا يَأْتِيهِم مّن نَّبِىّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ».
إنّ هذه المخالفات وأنواع السخرية لم تكن لتمنع لطف اللَّه ورحمته أبداً، فإنّها فيض متواصل من الأزل إلى الأبد، ووجود يعمّ عطاؤه كل العباد، بل إنّه سبحانه قد خلقهم للرحمة «وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» [١]. ولهذا فإنّ إعراضكم وعنادكم سوف لا يمنع لطفه مطلقاً.
[١] سورة هود/ ١١٩.