مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - ٣٧ سورة صافَّات
«مليم»: من مادة «لوم» وتعني التوبيخ والعتب.
ومن المسلّم أنّ هذه الملامة لم تكن بسبب إرتكابه ذنباً كبيراً أو صغيراً وإنّما بسبب تركه العمل بالأولى، وإستعجاله في ترك قومه وهجرانهم.
في تفسير الدرّ المنثور: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«لما أراد اللَّه حبس يونس عليه السلام في بطن الحوت أوحى اللَّه إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً».
يونس عليه السلام إنتبه بسرعة للحادث، وتوجّه على الفور إلى اللَّه سبحانه وتعالى وتكامل وجوده مستغفراً اللَّه على تركه العمل بالأولى، وطالباً العفو منه.
ونقلت الآية (٨٧) في سورة الأنبياء صورة توجّه يونس عليه السلام بالدعاء الذي يسمّيه أهل العرفان باليونسية. قال تعالى: «فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَن لَّاإِلهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ».
إعتراف يونس الخالص بالظلم، وتسبيحه اللَّه المرافق للندم أدّى مفعوله، إذ إستجاب اللَّه له وأنقذه من الغم، كما جاء في الآية (٨٨) من سورة الأنبياء: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذلِكَ نُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ».
ونلاحظ الآن ماذا تقول الآيات بشأن يونس عليه السلام. قال تعالى: «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ».
أي لو لم يكن من المسبّحين لأبقيناه في بطن الحوت حتى يوم القيامة، ويعني تبديل سجنه المؤقّت إلى سجن دائم، ومن ثم تبديل سجنه الدائم إلى مقبرة له.
ويضيف القرآن، وقد ألقينا به في منطقة جرداء خالية من الأشجار والنباتات، وهو مريض: «فَنَبَذْنهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ».
فالحوت الضخم لفظ يونس- الذي لم يكن غذاءً صالحاً لذلك الحوت- على ساحل خالٍ من الزرع والنبات، والواضح أنّ ذلك السجن العجيب أثّر على سلامة وصحّة جسم يونس، إذ أنّه تحرّر من هذا السجن وهو منهار ومعتل.
كانت حرارة الشمس تؤذيه، فيحتاج إلى ظلّ لطيف يظلّل جسده. والقرآن هنا يكشف عن هذا اللطف الإلهي بالقول، إنّنا أنبتنا عليه شجرة قرع ليستظلّ بأوراقها العريضة والرطبة: «وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ».
«اليقطين»: تعنيكل نبات لا ساق له وله أوراق كبيرة، مثل نبات البطّيخ والقرع والخيار