مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - ٣٧ سورة صافَّات
وبالفعل فقد دعا عليهم، فنزل عليه الوحي وحدّد له وقت حلول العذاب الإلهي بهم، ومع حلول موعد نزول العذاب، رحل يونس- بمعيّة الرجل العابد- عن قومه وهو غاضب عليهم، ووصل إلى ساحل البحر، وشاهد سفينة عند الساحل غاصّة بالركاب فطلب منهم السماح له بالصعود إليها.
وهذا ما أشارت إليه
الآية التالية
، حيث قالت: «إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ».
«أبق»: مشتقة من «إباق» والتي تعني فرار العبد من سيّده، إنّها لعبارة عجيبة، إذ تبيّن أنّ ترك العمل بالأولى من قبل الأنبياء العظام ذوي المقام الرفيع عند اللَّه، مهما كان بسيطاً فإنّه يؤدّي إلى أن يتّخذ الباريء عزّ وجل موقفاً معاتباً ومؤنّباً للأنبياء، كإطلاق كلمة (الآبق) على نبيّه.
ومن دون أي شك فإنّ نبي اللَّه يونس عليه السلام، معصوم عن الخطأ، ولكن كان الأجدر به أن يتحمّل آلاماً اخرى من قومه، وأن يبقى معه حتى اللحظات الأخيرة قبل نزول العذاب، عسى أن يستيقظوا من غفلتهم ويتوبوا إلى اللَّه سبحانه وتعالى.
ووفق ما ورد في الروايات، فقد صعد يونس عليه السلام إلى السفينة، ثم إنّ حوتاً ضخماً وقف أمام السفينة، فاتحاً فمه وكأنّه يطلب الطعام، فقال ركّاب السفينة أنّ هناك شخصاً مذنباً معنا يجب أن يكون طعام هذا الحوت، ولم يجدوا سبيلًا سوى الإقتراع لتحديد الشخص الذي يرمى للحوت، وعندما إقترعوا خرج اسم يونس.
وقد أشار القرآن المجيد في آية قصيرة إلى هذه الحادثة، قال تعالى: «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ».
«ساهم»: من مادة «سهم» وتعني إشتراكه في الإقتراع، فالإقتراع تمّ على ظهر السفينة بالشكل التالي، كتبوا اسم كل راكب على (سهم) ثم خلطوا الأسهم وسحبوا سهماً واحداً، فخرج السهم الذي يحمل اسم يونس عليه السلام.
«مدحض»: مشتقة من «دَحْض» وتعني إبطال مفعول الشيء أو إزالته أو التغلّب عليه؛ والمراد هنا أنّ إسمه ظهر في عملية الإقتراع من بين بقية الأسماء.
وقال القرآن الكريم: «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ». أي إنّ حوتاً عظيماً التقمه وهو مستحق للملامة.
«التقم»: مشتقة من «الإلتقام» وتعني (البلع).