مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - ٣٥ سورة فاطر
واستناداً إلى البحوث التي سبقت حول الهداية والضلالة والإيمان والكفر، تنتقل
الآية التالية
إلى بحث المبدأ والمعاد بعبارات مضغوطة، وتقرن آيات المبدأ بإثبات المعاد بدليل واحد ملفت للنظر، تقول الآية الكريمة: «وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذلِكَ النُّشُورُ». نظام دقيق يتحكّم في حركة الرياح، ثم في حركة السحاب، ثم في نزول قطرات المطر الباعثة للحياة، ثم في حياة الأرض الميتة، وهو أحسن دليل على أنّ يد القدرة الحكيمة هي من وراء ذلك النظام تقوم على تدبير اموره.
الآن، وبعد هذا المبحث التوحيدي، تشير الآية إلى الإشتباه الخطير الذي وقع فيه المشركون لإعتقادهم بأنّ العزّة تأتيهم من أصنامهم، فتقول الآية: «مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا».
«العزّة»: حالة مانعة للإنسان من أن يُغلب ... من قولهم: أرض عزاز، أي صُلبة.
ولأنّ اللَّه سبحانه وتعالى هو الذات الوحيدة التي لا تُغلب، وجميع المخلوقات بحكم محدوديتها قابلة لأن تُغلب، وعليه فإنّ العزّة جميعها من اللَّه، وكل من اكتسب عزّة فمن بحر عزّته اللامتناهي.
في كتاب كفاية الأثر عن جنادة بن أبي اميّة قال: دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في مرضه الذي توفّي فيه وبين يديه طشت يقذف فيه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة، من السم الذي أسقاه معاوية (لعنه اللَّه)، فقلت: يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك؟
فقال:
«يا عبد اللَّه، بماذا اعالج الموت؟»
قلت: إنّا للَّهوإنّا إليه راجعون.
ثم التفت إليّ فقال:
«لقد عهد إلينا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة، ما منّا إلّامسموم أو مقتول».
ثم رفعت الطشت وبكى صلوات اللَّه عليه وآله قال: فقلت له: عظني يابن رسول اللَّه قال:
«نعم ... وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية اللَّه إلى عزّ طاعة اللَّه عزّ وجل ...»
الحديث.
ثم توضّح الآية طريق الوصول إلى (العزة)، فيقول تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ».
فقد فسّر «الكلم الطيب» بأنّه العقائد الصحيحة فيما يخصّ المبدأ والمعاد والنبوّة.