مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٥ - ٤٧ سورة محمد
يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ».
«يحفكم»: من مادة «إحفاء»، أي: الإصرار والإلحاح في المطالبة والسؤال، وهي في الأصل من حفأ، وهو المشي حافياً، وهذا التعبير كناية عن الأعمال التي يتابعها الإنسان إلى أبعد الحدود؛ و «الأضغان» جمع ضغن، وهو بمعنى الحقد الشديد.
وبذلك فإنّ الآية تريد أن توقظ أرواح البشر الغاطّة في نومها العميق بسوط التقريع والملامة والعتاب، ليرفعوا عن أعناقهم قيود الذل والعبودية للأموال، ويصبحوا في حال يضحّون عندها بكل ما لديهم في سبيل اللَّه، ويقدّمون ما عندهم بين يديه، ولا يرجون في مقابل ما يعطون إلّاالإيمان به وتقواه ورضاه عنهم.
والآية الأخيرة
- من الآيات مورد البحث، وهي آخر آية من سورة محمّد- تأكيد آخر على ما مرّ في الآيات السابقة حول المسائل المادية وتعلّق الناس بها، ومسألة الإنفاق في سبيل اللَّه، فتقول: «هَا أَنتُمْ هؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ».
وهنا يأتي سؤال، وهو: إنّ الآيات السابقة قد ذكرت أنّ اللَّه لا يسألكم أموالكم، فكيف أمرت هذه الآية بالإنفاق في سبيل اللَّه؟
غير أنّ تتمة الآية تجيب عن هذا السؤال عن طريقين، فتقول أوّلًا: «وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ». لأنّ ثمرة الإنفاق تعود عليكم أنفسكم في الدنيا والآخرة، حيث يقلّ التفاوت الطبقي، وعندها سيعم الأمن والهدوء في المجتمع، وتحل المحبة والصفاء محل العداوة والحقد، هذا ثوابكم الدنيوي.
وأمّا في الآخرة، فستمنحون مقابل كل درهم أو دينار تنفقونه الهبات والنعم العظيمة التي لم تخطر على قلب بشر، وعلى هذا فإنّ من يبخل يبخل عن نفسه. وبتعبير آخر: فإنّ الإنفاق هنا يعني أكثر ما يعني الإنفاق في أمر الجهاد، والتعبير ب «فِى سَبِيلِ اللَّهِ» يلائم هذا المعنى أيضاً، ومن الواضح أنّ أي نوع من المساهمة في تقدّم أمر الجهاد سيضمن وجود المجتمع واستقلاله وشرفه.
والجواب الآخر هو: «وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ» فهو غني عن إنفاقكم في سبيله، وغني عن طاعتكم، وإنّما أنتم الفقراء إلى لطفه ورحمته وثوابه وكرمه في الدنيا والآخرة.
وتحذر الجملة الأخير جميع المسلمين أن اعرفوا قدر هذه النعمة الجليلة، والموهبة العظيمة، حيث جعلكم سبحانه حماة دينه القويم وأنصار دينه وأتباع رسوله وأصحابه،