مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٦ - ٤٥ سورة الجاثية
مواصلة للبحوث التي وردت في الآيات السابقة حول عظمة آيات اللَّه، تتناول هذه الآيات نفس الموضوع، فتقول: «هذَا هُدًى». فهو يميز بين الحق والباطل، ويضيء حياة الإنسان، ويأخذ بيد سالكي طريق الحق ليوصلهم إلى هدفهم ومنزلهم المقصود، لكن:
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَايَاتِ رَبّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ». «الرجز»: يعني الاضطراب والإهتزاز وعدم الإنتظار، وتطلق هذه الكلمة أيضاً على مرض الطاعون والإبتلاءات الصعبة، أو العواصف الثلجية الشديدة، والوساوس الشيطانية وأمثال ذلك، لأنّ كل هذه الامور تبعث على الإضطراب وعدم الإنتظام والانضباط.
ثم تحول زمام الحديث إلى بحث التوحيد الذي مرّ ذكره في الآيات الاولى لهذه السورة، فتعطي المشركين دروساً بليغة مؤثرة في توحيد اللَّه سبحانه ومعرفته. فتارة تدغدغ عواطفهم، وتقول: «اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
بعد بيان السفن التي لها تماس مباشر بحياة البشر اليومية، تطرقت
الآية التي بعدها
إلى مسألة تسخير سائر الموجودات بصورة عامة، فتقول: «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مّنْهُ».
فلماذا يعرض الإنسان عنه ويلجأ إلى غيره، ويتسكع على أعتاب المخلوقات الضعيفة، ويبقى في غفلة وذهول عن المنعم الحقيقي عليه؟ ولذلك تضيف الآية في النهاية: «إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
لقد كانت الآية السابقة تلامس عاطفة الإنسان وتحاول إثارتها، وهنا تحاول هذه الآية تحريك عقل الإنسان وفكره، فما أعظم رحمة ربّنا سبحانه! إنّه يتحدث مع عباده بكل لسان وأسلوب يمكن أن يطبع أثره، فمرّة بحديث القلب، واخرى بلسان الفكر، والهدف واحد من كل ذلك، ألا وهو إيقاظ الغافلين ودفعهم إلى سلوك السبيل القويم.
ثم تطرقت
الآية التالية
إلى ذكر قانون أخلاقي يحدد كيفية التعامل مع الكفار لتكمل أبحاثها المنطقية السابقة عن هذا الطريق، فحولت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه و آله وقالت: «قُلْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَايَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ».
فمن الممكن أن تكون معاملة هؤلاء قاسية، وتعبيراتهم خشنة غير مؤدبة، وألفاظهم بذيئة، وذلك لبعدهم عن مبادئ الإيمان وأسس التربية الإلهية، غير أنّ عليكم أن تقابلوهم