مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - ٤٥ سورة الجاثية
الطَّيّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ».
تبيّن هذه الآية في مجموعها خمس نعم أنعم اللَّه بها على بني إسرائيل.
النعمة الاولى هي الكتاب السماوي، أي التوراة التي كانت مبينة للمعارف الدينية والحلال والحرام، وطريق الهداية والسعادة؛ والثانية مقام الحكومة والقضاء.
أمّا النعمة الثالثة فقد كانت نعمة مقام النبوّة، حيث اصطفى اللَّه سبحانه أنبياء كثيرين من بني إسرائيل.
وقد ورد في رواية أنّ عدد أنبياء بني إسرائيل بلغ ألف نبي، وفي رواية اخرى: «إنّ عدد أنبياء بني إسرائيل أربعة آلاف نبي».
وتتحدث الآية في الفقرة الرابعة حديثاً جامعاً شاملًا عن المواهب المادية، فتقول:
«وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيّبَاتِ».
النعمة الخامسة، هي تفوقهم وقوّتهم التي لا ينازعهم فيها أحد، كما توضح الآية ذلك في ختامها فتضيف: «وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ».
لا شك أنّ المراد من «العالمين» هنا هم سكان ذلك العصر.
وتشير
الآية التالية
إلى الموهبة السادسة التي منحها اللَّه سبحانه لهؤلاء المنكرين للجميل، فتقول: «وَءَاتَيْنَاهُمْ بَيّنَاتٍ مّنَ الْأَمْرِ».
«البيّنات»: يمكن أن تكون إشارة إلى المعجزات الواضحة التي أعطاها اللَّه سبحانه موسى بن عمران عليه السلام وسائر أنبياء بني إسرائيل، أو أنّها إشارة إلى الدلائل والبراهين المنطقية الواضحة، والقوانين والأحكام المتقنة الدقيقة.
فمع وجود هذه المواهب والنعم العظيمة، والدلائل البيّنة الواضحة لا يبقى مجال للاختلاف، إلّاأنّ الكافرين بالنعم هؤلاء ما لبثوا أن اختلفوا، كما يصور القرآن الكريم ذلك في تتمة هذه الآية إذ يقول: «فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ».
ويهددهم القرآن الكريم في نهاية الآية بقوله: «إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ».
وبهذا فقد فقدوا قوّتهم وعظمتهم في هذه الدنيا بكفرانهم النعمة، واختلافهم فيما بينهم، واشتروا لأنفسهم عذاب الآخرة.
بعد بيان المواهب التي منّ اللَّه تعالى بها على بني إسرائيل، وكفرانها من قبلهم، ورد